"الن تكرمنا فى سعر هذا الطقم يا حاج؟ حتى اطلق زغرودة من قلبى تحية لك ولمحلك"

كان هذا الحوار معتادا بالنسبة الى عنايات .. فها هى زبونه جديده تفاصل صاحب محل الالومنيوم الذى تعمل به من اجل تخفيض آخر فى سعر طقم الالومنيوم الذى اشترته لابنتها العروس قبيل زفافها بايام .. وعندما رضخ المعلم "حسنين" بعد طول تمنع تعرف عنايات انه مصطنع برّت المراه بوعدها واطلقت زغروده قويه من اعماقها بدت معها جدران المحل وكانها تهتز .. بينما العروس الصغيره تهلل وجهها بابتسامة عريضه تجعل من يراها يظن ان مشكلة الشرق الاوسط قد حلت بعد طول انتظار !! وبينما كانت عنايات تلف الطقم وتتلقى بقشيشا من الام لطمتها الاخيره بعبارة آلمتها كثيرا حين قالت لها : عقبال بناتك يا حبيبتى ..

إذ أن عنايات لم تكن قد تزوجت بعد حتى يصبح لها بنات اواولاد .. كانت السنوات قد عدت بها حتى قاربت الاربعين دون ان تتزوج .. كانت تشعر ان هناك خطا ما قد ارتكبته لا تدر ما هو ولكنه هو الذى وضعها الآن فى مصاف العوانس .. تلك الفئه التى يصر المجتمع على ايلامها على ذنب لم يكن لها اى يد فيه .. فمنذ عملت فى هذا المحل منذ ما يزيد على العشرين عاما حرصت على ان تعتنى بمظهرها .. وتدخر من مرتبها لهذا اليوم الموعود الذى تنتظره ككل فتاه .. عملها فى محل لبيع مستلزمات الزواج جعلها -كزميلاتها- تحرص على ان تنفق ما تدخره من مرتبها فى اعداد نصيبها من الجهاز حتى ياتى الفارس المنتظر .. وشيئا فشيئا .. تكوم ما اشترته فى ركن من اركان حجرتها الضيقه .. لم تكن تشعر باى ضيق لما سببته تلك الادوات المنزليه من زحام فى فراغ حجرتها الصغيره .. بل كانت فى الواقع تشعر بالفخر كلما زارتها احدى صديقاتها واثنت على استعدادها الجيد لهذه المناسبه الهامه

الا ان الايام مرت سريعا .. وكومة الادوات المنزليه فى حجرة عنايات تزداد ارتفاعا دون ان يتحقق الحلم .. وبالتدريج .. بدات عنايات تشعر بالاختناق .. لم يكن شعورها بالاختناق راجعا الى ضيق المساحه .. رغم ان هذا هو ما كانت تتذرع به لتبدى لامها ضيقها بتلك الاشياء .. وانما كان السبب الحقيقى لما تشعر به من ضيق هو احساسها المؤلم بخيبة الامل كلما نظرت لتلك الاشياء المكومه .. التى لم تجد من يستفيد بها ويبنى بها حياة جديده كانت تامل فيها .. بل انها حين بلغ بها الضيق مبلغه القت على اشيائها تلك ملاءة سرير قديمه حتى تنسى او تتناسى ما تخبئه تلك الملاءه

وحين عادت الى بيتها فى ذلك اليوم كانت امها تنتظرها كالمعتاد .. جالسة على كنبه قديمه وقد ادارت التليفزيون على برنامج اغلب الظن انها لا تصغى اليه .. وما ان دخلت عنايات حتى تهلل وجه الام وانطلقت فى حماس لتعد العشاء .. وحين جمعتهما المائده فى ذلك المساء ككل مساء .. بدات الام تفرغ ما فى جعبتها من حديث حرمت منه اليوم بطوله لافتقادها من يصغى اليها .. وربما كان هذا الجزء من اليوم هو اشد ما يضايق عنايات ويستنفذ البقيه الباقيه من صبرها .. فقد كانت تود ان تصمت امها حتى تتركها مع افكارها واحلامها ورثائها لواقعها .. ففى الواقع ان مشكلة عنايات الحقيقيه لم تكن كلية فى تاخرها فى الزواج .. وانما فى مبالغتها فى الاحساس بالشفقة على النفس والرثاء لها !! لكنها لم تكن تستطيع ان تواجه امها فى رغبتها ان تصمت فكانت تتركها تتحدث وتلوذ هى بالصمت و الشرود .. الا ان امها اخرجتها من حالتها تلك و اجبرتها على الاصغاء اليها حين زفت اليها بابتهاج خبر خطبة هاله ابنة الجيران وانهما -الام و عنايات- مدعوتان غدا لحضور حفل الخطبه فوق سطح منزلهم .. وما ان سمعت عنايات بالخبر حتى ابتلعت ريقها بصعوبه وهى تردد : هاله خطبت؟ انها لم تكمل العشرين من عمرها بعد !! فابتسمت الام فى سعاده وقالت : اتاها نصيبها و النصيب لا يعترف بسن او عمر .. ويبدو ان الام قد شعرت بما يعتمل فى نفس عنايات وهى تراها تغادر المائده دون ان تكمل عشاءها .. فلاحقتها بدعواتها التى لا ينقطع فيها الرجاء : عقبى لك يا عنايات يا حبيبتى .. قريبا ان شاء الله اراك فى بيت زوجك وحولك ابناؤك يلهون واربيهم بنفسى كما ربيتك ..

وكالمعتاد .. لم تعلق عنايات على هذه الدعوات الطيبه باى كلمه .. بل دخلت حجرتها تتعجب فى قرارة نفسها من امها التى لم ينقطع فى نفسها الامل ان ياتى اليوم الذى ترى فيه ابنتها عروسا بعد ان فاتها القطار !! وبعد ان كانت تبتسم فى حياء فيما مضى وهى تستمع لدعوات امها .. بدات تتمنى ان توفرها الام والا تلاحقها بها فى كل مناسبة مماثله .. كانت امنيات الام تشكل عبء كبيرا على نفسها تشعر امامه بالعجز وقلة الحيله .. فهى تعرف ان امها -كسائر الامهات- لن تشعر انها ادت واجبها نحوها واكملت رسالتها معها الا حين تتزوج .. وهى عاجزة عن تحقيق هذا الحلم البعيد لامها .. فما الذى يمكن ان تفعله !!

استمر معها ذلك الشعور بالعجز خلال حفل الخطبه الذى حاولت جاهدة ان تتملص من حضوره !! لا تكتفى المهنئات بتحيتها او السلام عليها اوانما لابد ان تمطرها كل منهن بوابل من الدعوات مماثل لدعوات امها على مسمع من الجميع .. وكأنه اعلان غير مباشر يقول "هنا تجلس فتاه فاتها قطار الزواج فهل من راغب؟" وحين انتهى الحفل وخلعت عن وجهها قناع الابتسامة الزائفه تنفست عنايات الصعداء .. وغادرت المكان مسرعه بينما الام تقدم تهنئتها لاهل العروس للمره المئه قبل ان تلحق بعنايات فى شقتهما !!

انعكس احساسها بالضيق و التبرم على عملها فى اليوم التالى .. فلم تستطع ان تبدى صبرها المعتاد مع زبائن المحل .. ذلك الصبر الذى تعلمته فى عملها ولم يكن يوما من طباعها الاصيله .. الا انها اليوم لم تستطع ان تتحلى به كما اعتادت .. خاصة مع ذلك الزبون الذى يبدو مترددا فيما يختاره .. بل يبدو وجوده فى المحل اصلا شيئا عجيبا خاصة وان معظم الزبائن فى المعتاد يكن من النساء .. وان ظهر بالمحل رجل فبصحبة ابنته او زوجته ليشترى ما تختاره ايهما !! وحين بدات تتحرك بعصبيه واضحه لتاتى لذلك الزبون ببضائع لا يبدو عليه حقا الرغبه فى شرائها فوجئت به يطلب الحديث معها على انفراد !! ويبدو ان هذه كما يقولون كانت القشه التى قصمت ظهر البعير .. فقد انطلقت عنايات تفرغ فى الرجل غضبها وضيقها الذى كبتته فى نفسها منذ تلك اللحظه التى علمت فيها بخطبة هاله جارتها الصغيره .. والرجل يقف فى ذهول يتلقى ما يسمعه من عنايات من تقريع فى استسلام غريب خاصة بعد تجمع زميلاتها و زملائها بل والمعلم "حسانين" صاحب المحل هو الآخر !! ويبدو ان الرجل حين احس بحرج موقفه مع نظرات التشكك التى ارتسمت على كل الوجوه المحيطه به اضطر ان يلقى قنبلته ويخبر عنايات انه يريد ان يتزوجها على سنة الله ويرسوله بعد ان رآها بالامس فى حفل الخطبه وراى انها مناسبة له !! وانه لم يجد خيرا من هذه الوسيله للحديث معها ومفاتحتها بالامر خاصة بعد تركها الحفل بالامس كمن يطارده عفريت !!

ويبدو ان المعلم حسنين قد شعر ان الموقف لم يعد يحتمل وجود متفرجين .. فنهر عماله مذكرا اياهم ان هذا محل لاكل العيش وليس صندوق الدنيا يتفرجون فيه على ما يسليهم .. وكان صوته الجهورى كافيا لان يتفرق الجمع فى الحال تاركا عنايات متجمدة فى مكانها .. وبعد مرور دقيقتين من الصمت التام من جهتها .. تحركت عنايات ببطء نحو وعاء صغير كانت قد احضرته للرجل قبل ان يصارحها بالهدف الحقيقى من زيارته وتناولت الوعاء بايد مرتعشه وهى تقول : لدى قطع مماثله لهذا الوعاء كنت قد اشتريتها .. لكن اريدك ان تشتريه .. وحين رات فى عينيه نظرات متسائله قالت : لن اطلب منك شراء قطع اخرى من الالومينوم للجهاز لكن اريد ان نشترى هذه القطعه الآن .. وحين توجه الرجل لدفع ثمن القطعه واطمأنت عنايات انه قد اشتراها فوجئ بها الجميع تطلق زغروده هائله قبل ان تسقط على الارض مغشيا عليها !!

    

© Mona Ma7moud  2004


 
 

 


 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY