|
أبشروا
جميعاً فأنا
لن أطيل عليكم
...
فالعلم
لديكم جميعاً
– يقين – بأن عمر
الزهور قصير ...
أما
أنا ...
فزهرة
بلدي ... أي أنني
مصرية ...
أما
اللون ...
فوردية ...
و
الوطن ... أرض
زراعية ...
--
اليوم الأول --
(الـمــيـــلاد)
اليوم
توّاً قد
فتّحت عيوني ...
برعماً
صغيراً كنت ...
ولدت وسط اخوة
لي زهرات
متفتحات
ناضجات ... قد
سبقنني عمراً
و خبرة ... لم
أعرف من أين
أتيت بتلك
الذاكرة عن
أشجار باسقة و
أرض طينية
خصبة و أفق
واسع أزرق
مزيّن بالسحب
البيضاء ... فقد
كان مكان
ميلادي
غريباً ... فقد
ولدت في
مستشفى ... كلاّ ...
كلاّ ... لا
تسيئوا فهمي ...
لست أنا التي
ولدت في
المستشفى ... و
لكنّي حين
ولدت وجدت
نفسي وسط باقة
كبيرة راقدة
بجوار امرأة
بشرية يبدو
عليها الوهن و
آثار الإرهاق
... و إذ كانت
اللحظة حين
سمعت بكاءاً
حادّاً هزّني
هزّاً ... و على
البُعد منّي
وجدت مهداً
صغيراً به
أجمل طفل
رأيته في
حياتي ... ولد
توّاً ...
مــثـــلـــي
...
ربما كان
الطفل الوحيد
الذي سأراه في
حياتي ...
أيــضــــاً
...
--
اليوم الثاني
--
(الـتـكـويــن)
بقيت
فترة من الوقت
بتلك
المستشفى لا
أدري كم
بالضبط ... حيث
تعهدتني
المرأة
البشرية
بالرعاية كما
كانت تتعهد
الطفل الرضيع
... ناهيك عن
الود و الحب و
الغَزَل
اللائي كنت
أقابلهن من
تلك
المخلوقات
البيضاء
الأخرى
اللائي يضعن
ذلك الشيء
الأبيض فوقهن
و يدخلن
الغرفة ما بين
وقت و آخر
للإطمئنان
على حال
المرأة ...
إن
الحياة لشيء
رائع فعلاً ...
--
اليوم الثالث
--
(التجربـة
الأولـى)
اليوم
أحسست بخوف
رهيب مفاجئ ...
فقد أصبحت
زهرة متفتحة
الآن ... و لكن لا
خبرة لدي و لا
معرفة ... كان
الذبول و
الوهن قد
أصابا بعضاً
من أخواتي ... و
كان علينا أن
نودعهن كما
يجب ... كنّ
يتحدّثن عن
أشياء غريبة
لا أعرفها ... عن
شيء يدعى
المشتل ... و
الأرض الأم ... و
الوطن ... تُرى
ما هو شكل
الوطن ... لا بد
أن أعترف أنني
قد أصبحت
جميلة الآن ...
ربما أجمل
واحدة في
الباقة ... لذا
فإن ذلك
الكائن الذي
عرفت أن اسمه
شاب ... قد تسلّل
خلسة و ... و ... و ...
... و ...
كلاّ ... لا
أستطيع ... لا
أستطيع أن
أخبركم ...
إنّه
شيء فظيع ... شيء
فظيع جداً ...
فقد
اعتدى عليّ ... و ...
و أخذني و أنا
في حالة اعياء
شديد ... و يبدو
أنني قد غبت عن
الوعي قليلاً
... فلم أدر بأي
من الموجودات
حولي ... و
للمرّة
الثانية ...
أفتح
عيوني ... لقد
تغير شكل كل
شيء ...
الأشياء
هنا لها ألوان
عديدة ...
أين
اللون الأبيض
الجديد ...
لقد
قطفني هذا
الوغد ... و لا
أعلم إلى أين
أخذني ...
ربما
منزله ...
أووووووووه ...
كم
أنا خائفة ...
--
اليوم الرابع
--
(لــقـــــاء)
-
أحبّك
... أعبدك ... أود لو
أمضيت عمري
خادماً لديك ...
-
أنت
كاذب ... ها ... هاها
...
و
في حركة سريعة
خاطفة قدّمني
لتلك الفتاة
المرحة ... التي
هتفت حال
رؤيتي ... لا بد
قد صرعها
جمالي ...
-
أوووووه
...
اللاّاااااااه
... روعة ...
و
انحنت عليّ في
رقّة
تتشمّمني ... ثم
تُقبّلني ... و
انتابتني
سعادة غير
معتادة غطّت
على احساسي
بالجوع و
العطش ... و في
دلال امتدت يد
الفتاة إلى
بتلاتي ...
أمسكت واحدة
منهن بين
اصبعين ...
ماذا
تريد أن تفعل
هذه المجنونة
...
كــلاّ
... أنـــت ... يـا
آنــســـة ...
لـيـس
مسموحـاً لك
بــأن .......
كاد
الفتى يبكي ... و
اعترته غصّة
في حلقه حين
وجد فتاته
تهمّ بالعبث
بي ... إن الشاب
لرقيق جداً ... و
لا أنكر أنّي
سامحته على
أخذي بالعنوة
هكذا ...
ربما
هذا الفتى هو
الوطن كما
قالت إخواتي ...
ربـــمـــا
...
و
أخذتني
الفتاة معها ...
يا لها من دنيا
فظّة قاسية
تتقاذفني
أمواجها
المتلاطمة ...
كم أتوق الآن
إلى المستشفى
و أخواتي
الزهرات في
باقة الورد
بجوار المرأة
البشرية و
الطفل الباكي
...
و
في زهرية
جميلة وضعتني
الفتاة ... و في
دقائق ذهب
عنّي الجوع و
العطش ... ربما
أن الفتاة
ليست بالسوء
الذي ظننت ...
--
اليوم الخامس
--
(الـحــــــزن)
في
غرفة نومها
وضعتني
الفتاة ... تحت
اطار به صورة
سيّدة كبيرة
في السن تشبه
الفتاة
كثيراً و شريط
أسود معلّق
بأحد الأركان
... كانت الفتاة
تتوقف أمام
الصورة
كثيراً ...
تتحدّث معها ...
تسألها عن بعض
الأشياء ثم لا
تلبث أن تبدأ
في البكاء ... و
كان هذا يبعث
داخلي
احساساً
شديداً
بالكآبة و
الانقباض ...
الفتاة
تتساءل عن
مكان أمها
التي في
الصورة طوال
الوقت ... و تشكو
لها حال
الدنيا و قسوة
الحياة ...
و
مَن سمعك يا
أختاه ...
كانت
تخبرها أيضاً
عن (أيمن) ...
الشاب اللطيف
الذي أهداني
لها ... و ما بين
الوقت و الآخر
كانت تنحني
عليّ فتملّس
على بتلاتي في
رقّة ... و
تجعلني ألمس
وجنتها
الناعمة ...
البيت فقير
متواضع و لا
يُقارن
البتـّة
بمكان ميلادي
...
كان
الوهن قد بدأ
يتسل إليّ ... و
ارتخى عودي ... و
زحف الذبول
إلى أطراف
بتلاتي ... ما هو
ذلك الشيء
اللعين الذي
يحدث لي ...
لماذا توقفّت
قدرتي على
المرح و الضحك
... أعتقد أنّي
فقدت رائحتي
أيضاً
فالفتاة كفّت
عن تشمّمي منذ
فترة طويلة ...
الليلة
... مالت عليّ
الفتاة ...
-
غداً
... سأقدّمك
هدية لأغلى
مخلوق عندي ...
تساءلت
... هل ستعيدني
لـ(أيمن) مرّة
أخرى ... و تنتظر
أختاً لي أخرى
لتحل مكاني ...
إن الفتيات
لا أمان لهن
حقاً ...
--
اليوم الأخير
--
(الـمـــــوت)
العديد
و العديد
الصخور
البيضاء
العالية عن
الأرض ... كلمات
كثيرة محفورة
على رخامات
تقف مستقيمة
ملتحمة
بالأرض ... كانت
الفتاة تلبس
الملابس
السوداء و
تمسكني في
يدها بوجل
شديد ... أخذت
تتمتم بكلمات
لم أفهمها ... ثم
بكت ... بللّت
دموعها صفحة
بتلاتي التي
صارت مكرمشة
الآن ...
هوّني
عليك يا فتاتي
... لا شيء يستحق ...
لكن ... لدي
سؤال وحيد لك ...
تُـرى
ما كان هو
الوطن ؟!!
أهـو
هـذا يا تـُرى
...
(نجلاء)
... يا فتاتي
العزيزة ...
كفكفي دموعك ...
أرجوك
... إن دموعك
لقاسية
للغاية و أنا
ما عدت قادرة
على التحمّل
كالسابق ...
كما
يليق بزهرة
كهل عجوز ... و
ضعتني (نجلاء)
في رفق ... منتهى
الرفق على قبر
أمها ... و دعت
دعوة أخيرة ...
ثم انصرفت ...
الوداع يا (نجلاء)
... الوداع يا
حبيبتي ...
مستلقية
على ظهري ...
منتظرة
اللحظات
الأخيرة ...
هبّت ريح
فأسقطتني ...
بدأ ضياء
الشمس في
الذبول ...
أمامي جرى كلب
خلف قطّة و هو
ينبح ...
تسلّقتني
حشرة فلم أبد
اعتراضاً ...
بدأت بعض
ذرّات من تراب
تعلوني ...
للمرّة
الأولى
أتذوّق طعم
الرمال ... طعم
الأرض ...
مرّت لحظات
بطيئة ما عدت
أدري ما يحدث
لي ...
تمنيّت لو
أنّي عرفت ...
أو لربما
عرفت ...
أين
الوطـــن؟!!
© Dr.
Mohamed Naguib Abdallah 2004 |