كان ابى شخصيه فريده من نوعها .. تقبع فى ذاكرة من يلقاه ولو لمرة واحده .. ربما لهوايته الغريبه التى كانت تلفت الانظار و الاسماع اليه

فقد كان ابى يهوى الطبخ !! هواية غريبه بالنسبه لرجل شرقى اليس كذلك؟ ربما لم تكن الهواية ذاتها هى الغريبه وانما افصاحه عنها فى كل مكان يذهب اليه و بفخر و سعاده تدعو الى الغيظ احيانا ..

وربما كان هذا هو ما جذب امى اليه فى بداية تعارفهما .. فقد رات فيه احتمالا قويا لزوج متعاون خاصة وهى امراة عامله ذات طموح واضح .. وقد اندهشت هى وقتها لمعرفته المتعمقه باصناف الطعام المختلفه وفائدة كل منها للجسم وتاثيره على الوزن وغيرها من امور تتعلق بهذه الهوايه الغريبه .. وأسرتها حكاياته العديده التى لا تنفد ابدا عن أشهر الطهاه و أغرب الاكلات فى شتى انحاء العالم .. يحكيها وهو يطلق ضحكات عذبه جميله ..

إلا ان امى لم تلبث وبعد فتره قصيره جدا من الزواج ان بدات تشعر بالضيق من تلك الهوايه الغريبه .. ليس لأنها تاخذ من وقته الكثير فتشغله عنها .. بالعكس فقد كانت تسعد بتعاونه معها .. إلا انها كانت تشعر بالحرج حين يقف ابى محاطا بزمرة من النساء يصغين الى حكاياته الشائقه بانبهار ويمطرنه باسئله حول اكلات معينه و الطرق المثلى لاعدادها !! كانت امى -وان لم تعترف بهذا علانية- تشعر أن فى هذا الموقف المتكرر انتقاص من قدر ابى ورجولته .. وكان هذا موقفا تستغربه هى من نفسها بعد ان ظنت ان هواية ابى الغريبه قد تكون عونا لها فى حياته معها ..

ودون ان تشعر امى انتقلت نظرتها تجاه هواية ابى -ثم تجاه ابى فيما بعد- إلّى دون قصد .. خاصة ان ابى كان يعبر عن حبه لى بطريقة ترتبط من قريب او بعيد بالطعام !! فهو يوقظنى فى الصباح الباكر لاتناول عصير البرتقال الذى صنعه بنفسه خصيصا لى .. ويعد لى شطائر للمدرسه تعجب صديقاتى اللاتى كنّ يتعجبن من تضحيتى بهذه الشطائر الرائعه ببساطه تصل الى حد التأفف منها !! ويخصنى باكلات يخترعها من اجلى وحدى !! وينهى اليوم بكوب من اللبن الدافئ كى انعم باحلام هادئه !!

وقد يذهب الظن بكم الى ان تظنوا ان ابى كان يحب الطعام او يميل الى الشراهة فى تناوله !! وهذا غير صحيح على الاطلاق .. وكان هذا امرا كثيرا ما كان يثير دهشتى و تساؤلى !! فكيف يتمتع ابى بقامة معتدله ممشوقه بعد كل هذا العشق للطعام و الاسراف فى الحديث عنه !! كانت صديقاتى كثيرا ما تحسدننى على ابى وعلى حبه لى .. وكنت فى واقع الامر اخجل كثيرا من هذا الحب الذى لا يعبر عن نفسه سوى فى سندوتش او كوب عصير !! رغم ان ابى محدث بارع مطّلع .. لا تكاد تمل حديثه الشيق .. بل انك قد تحتفظ فى ذاكرتك ببعض كلماته لعمقها وصدقها الآسر .. لكن هذا الحديث الشيق لا يلبث ان ينتهى بملحوظه سريعه يلقيها بلطف حول طريقة تناولى السريعه للطعام او نقص الحديد الذى قد يصيبنى لانى ارفض تناول السبانخ وغيرها من الملاحظات العجيبه !! حتى بدات ازهد الحديث معه كى لا ينتهى بملحوظة تذكرنى بهوايته الغريبه ..

كنت فى بعض الاحيان الوم نفسى على الجفاء الذى تسلل الى علاقتى بابى بسبب امر كهذا .. و اتساءل لم اشعر بالخجل من هوايته التى لا يحاول بها الا ان يسعد من حوله .. وتصفو نفسى تجاهه لايام قليله لتعود للتعكر بعدها حين يحدث ما يذكرنى بهوايته تلك ..

إلى ان كان العام الماضى .. اتى شهر رمضان .. وعلى عكس المتوقع لم يكن ابى ياتى على ذكر هوايته باى صورة من الصور رغم ارتباط هذا الشهر به فى اذهان كثير من المصريين .. كان يدرك ان هذا الشهر ما هو الا مناسبة روحيه ايمانيه .. ينقى فيها الانسان روحه مما علق بها من شوائب خلال عام كامل .. وكنت اعتبر هذا الشهر فسحة سنويه ترتفع فيها علاقتى بابى الى اعلى مستوياتها .. وفى احد ايام ذلك الشهر كنت اقود سيارتى فى طريق العوده لمنزلنا حين عنّ لى ان اسمع الراديو خلال المسافه المتبقيه .. وكان البرنامج المذاع فى هذا الوقت يتحدث عن وصفات غريبه يشارك بها المستمعون من خلال التليفون .. وحين عرفت فكرة البرنامج نظرت الى الراديو بغيظ قبل ان امد يدى لتغيير المحطه او حتى اغلاق الراديو نهائيا .. إلا ان صوت المشارك فى هذه اللحظه اوقفنى .. فقد عرفت فيه صوت ابى !!

نعم كان هذا صوت ابى .. يتحدث ليشارك المستمعين احدى وصفاته المفيده .. كنت استمع اليه وهو يتحدث بحب عن تلك الوصفه التى لا تكلف كثيرا والتى يشارك بها كمساهمة متواضعة منه يتقرب بها الى الله فى هذا الشهر .. خاصة انه فكر فيها حين لمس معاناة الكثيرين فى توفير اطعمه مفيده و صحيه لذويهم باقل التكاليف .. كنت استمع الى ابى وهو يتحدث بحب و سماحه وكأنما يريد ان يعد هذه الوصفه بنفسه لكل مستمع على حده وأن يطعمه إياها بيديه .. أو انه اراد ان يوصل حبه لمن يستمع اليه بطريقته الخاصه جدا .. كان الحماس يفيض من صوته وهو يتحدث عن فوائد وصفته تلك حين قاطعته المذيعه بقلة ذوق فاضحه قائله انه قد حان وقت الاعلان .. لم تعطه حتى فرصه لينهى جملته ليحل اعلان سخيف محل صوت ابى الحنون .. أغمضت عينىّ فى الم وانا ارى بأذنى أبى تجرح مشاعره الرقيقه مذيعة تافهه لا تقدره حق قدره .. كنت أود ان اكون مع ابى فى تلك اللحظه لاخفف عنه تلك المعاملة الجافه التى لا تتناسب و نبل فكرته و هدفه ..

الا انى حين وصلت الى المنزل حمدت الله انى لم اكن موجوده معه فى تلك اللحظه حتى لا ارى الالم الذى لابد أنه قد ارتسم على وجهه بعد هذا الموقف السخيف .. كان يجلس وحيدا صامتا وقد اغلق الراديو على غير عادته فى هذا الوقت من نهار رمضان ممسكا بورقه ادركت ان بها وصفته التى لم يكمل القاءها .. كانت مشاعرى متضاربة فى هذه اللحظه حين ادركت انى رايت بعينى ودون أدنى تضليل ما كنت افعله بابى طيلة الاعوام الماضيه .. حين كنت ابدى تاففى وضيقى من هوايته التى كان يحاول اسعادى بها .. لم يستغرق غضبى على مذيعة الراديو سوى لحظات افقت بعدها على انى لم اختلف عنها كثيرا .. بل ربما كان معها بعض العذر وهى محكومة بدقائق معدوده على الهواء دفعتها لاغلاق الهاتف بينما قضيت انا سنوات اغلق فى وجه ابى كل الفرص كلما حاول التقرب الىّ بسبب هوايته التى لم اتحمس لها ..

اقتربت من ابى لآخذ يده بين يدى .. وكم كانت سعادتى حين تبدد الحزن من على وجهه بابتسامة متفاجئه من موقفى و نظرة تساؤل بدت فى عينيه وانا اجذبه من مقعده .. فما كان منى الا ان هتفت بحماس حقيقى ولاول مره .. "اشتقت لاكله جديده تخترعها من اجلى وحدى" ..

 


 
 
 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:


 
 
 

 

DESIGNED BY