"كيف
يستطيع رجل
مسن او امرأة
عجوز عبور هذا
الطريق
الواسع
بمفرده؟"
كثيرا
ما دار هذا
التساؤل فى
ذهن عبد
المقصود و هو
واقف فى
الشارع
الواسع ينظم
المرور .. انه
رغم صغر سنه
يتحرك
كالبهلوان فى
سبيل العبور
من جهة لاخرى
كى يتجاذب
الحديث مع
زميله صابر ..
فما بال اولئك
المساكين
الذين لا
يستطيعون
التسابق مع
السيارات
التى تلهث
نحوهم
كالرماح
الجائعه ..
كثيرا ما شهد
انتظار شيخ
كبير او امراة
ضعيفه فى سبيل
عبور الشارع ..
وكثيرا ما طال
بهم الانتظار
فانصرفوا
انصراف
العاجز
المقهور و تظل
وجوههم تلتفت
للطريق علها
تجد مخرجا بلا
جدوى حتى تغيب
عن ناظريه ..
كثيرا ما تحدث
مع صابر فى هذا
الامر الذى
يؤرقه وهما
يحتسيان
الشاى فى ليلة
بارده او نهار
قائظ .. ودائما
كان صابر يقول
: لهم رب اسمه
الكريم .. ويهز
كتفيه لا
مباليا ..
بينما لم يكن
الجواب يريح
عبد المقصود ..
انه جواب عاجز
لا يقدم حلا
ولا يعين
محتاجا .. لا
يزال يحتفظ فى
قرارة نفسه
بهذه الرجولة
الحانيه التى
نمت معه فى
قريته
البعيده
وشهامة ليست
غريبه على
هؤلاء الذين
يبدو فى
ملامحهم
الوادعه نبل
لم تخفه رقة
الحال او
بساطة الشان ..
وربما كانت
هذه الشهامه و
تلك الرجوله
هى ما يدفعه
لتذكر والده
الراحل او امه
الطيبه كلما
راى حائرا فى
اشارته ..فيتمثل
فيهم احد
والديه و
يندفع نحوهم
عندما يطول
بهم الانتظار
ويكافح مليا
حتى يعبر به
الطريق ..
ولكنه ليس
دائما هناك كى
يعبر بهم ..
وحتى فى ساعات
عمله كثيرا ما
لا يستطيع ان
يعين هؤلاء
الضعفاء
المساكين ..
وكلما حادث
صابرا فى
الامر يقول له
: وما الذى
يستطيعه
امثالنا يا
عبد المقصود
يا اخويا؟ الا
نحاول ان نوقف
السيل فلا
يستجيب؟ لم
يبقى سوى ان
نلقى بانفسنا
تحت عجلاتهم
حتى يتوقفوا !!
فبرقت عينا
عبد المقصود
وقال لصابر
متحمسا : ولم
لا؟ نظر صابر
اليه متسائلا
.. فقال عبد
المقصود:
الامر لا
يحتاج منا سوى
بعض الجسارة و
الشجاعه ..
ونحن شجعان و
من يقود سياره
حتى لو خلا
قلبه من بعض
الرحمه فانه
لن يضع نفسه
تحت طائلة
القانون
ويدهس شرطى
مرور يحاول
العبور .. مش
احنا حكومه
بردو ولا
مالناش نفس !!
لم يتغير
انطباع
التساؤل على
وجه صابر فمضى
عبد المقصود
يقول : الا
نشير
للسيارات
المارقه فلا
تتوقف؟ لم
نشير لهم
مستعطفين؟
الم تر بعض
الماره
الجسورين
يشيرون
للسيارات
انهم سيعبرون
الطريق فتضطر
السياره
للابطاء حتى
لا تدهس
العابر الجرئ
وايضا حتى
تسمعه اهانة
وقحه على
تجرئه على
العبور؟
فابتسم صابر
مؤيدا
ومتذكرا تلك
السيده فى
سيارتها
الفارهه بعد
ان فعل بها تلك
الفعله احد
الماره
الجسورين -كما
يحلو لعبده ان
يسميهم- فما
كان منها الا
ان فتحت نافذة
السيارة التى
يفوح منها عطر
ثمين لتسمعه
ما لم يتصور
احدهم ان
تتفوه به
امراه فما بال
الامر وهى على
هذا الثراء
الظاهر !!
سأل صابر عبد
المقصود فى
قلق ظاهر :
اتريد ان نفعل
نحن هذا؟ ونظل
طول اليوم فى
عدو و اهانه؟
رد عبد
المقصود
قائلا: بالطبع
لا .. غاية ما
هناك اننا
سنفعل هذا
كلما تجمع عدد
من المارة
الضعفاء
يريدون
العبور .. اما
الاقوياء
فلندع لهم
بالسلامه !! رد
صابر متوجسا :
بس العمر مش
بعزقه يا عبده
.. فما كان من
عبده الا ان
قال بثقه:
الاعمار بيد
الله.
بدأ
عبده يومه
التالى فى
نشاط ظاهر و
سعادة جليه ..
لم يعد يحمل هم
تلك المشكله
التى نغصت
عليه حياته ..
ربما هو حنين
قديم لدور
البطوله الذى
اعتاده فى
قريته
البعيده ..
والذى طالما
كوفئ عليه
بنظرات
الاستحسان من
فتيات قريته
او كلمات
الاطراء من
شيوخها .. ها قد
حانت ثانية
ساعة البطوله
.. بل هى ايام
للبطوله !!
تراءى له على
البعد طفل
صغير يريد
عبور الطريق ..
نهش القلق
قلبه .. انه لم
يكن ممن
استهدفتهم
خطته ولكنه لا
يستطيع ان
يتركه يعبر
بمفرده .. لن
يسامح نفسه لو
اصابه اى
مكروه .. وفزع
لدى تصوره هذا
فهرع اليه
يساله ان كان
يحتاج عونا
الا ان الطفل
لخيبة امله هز
راسه نافيا فى
ثقة و اعتداد
مؤكدا انه
يستطيع
العبور !! لم
يقنع عبده
بهذا الرد و
اخذ يد الطفل
فى يده رغم
المقاومة
التى ابداها
مؤكدا انه
كبير بما يكفى
للعبور .. وحسم
عبده الامر
عندما خطى
خطوته الاولى
نحو نهر
الطريق جاذبا
الطفل معه .. لم
يدرك صعوبة
تنفيذ خطته
الا عندما خطى
خطوته تلك ..
انه لا يرى
الآن سوى عيون
قاسيه لا تريد
ان تعطيه اية
فرصه حتى
للتراجع الى
موضعه السابق
بل انه راى
نظرات ساخره
تلذذ اصحابها
بارعابه ..
واحس بيد
الطفل تستكين
فى يده بعد ان
صمت تماما
مدركا صعوبة
موقفهما معا ..
بل انه احس بها
تبرد تدريجيا
من الخوف ..
ولعل هذا
الخوف الذى
احسه فى نفس
الصغير هو
الذى دفعه
لاستجماع
شجاعته و
المضى قدما فى
تنفيذ الخطه ..
فاستعاد
ثباته
المفقود وشدد
قبضته على
اليد الصغيره
التى بحوزته
محاولا اعادة
الثقة و الدفء
اليها وخطا
نحو هدفه
البعيد
القريب ..
تذكر فى هذه
الثوانى
البطيئه لاعب
السيرك
السائر على
الحبال الذى
رآه عندما قدم
للقاهرة لاول
مرة فى حياته ..
لم يبهره
السيرك قدر ما
بهره ان يخطو
اللاعب كل يوم
نحو ما قد يكون
حتفه .. اذا كان
الآخر يفعل
هذا من اجل
لقمة العيش
فلم يفعله هو !!
نفض عبده هذه
الافكار عنه
سريعا .. انه
يحتاج لتركيز
يفوق تركيزه
كى ينجح فى
العبور ..
ارتفعت حوله
اصوات
الفرامل
الساخطه تصرخ
فيه لوقاحة لم
يعها وسباب
غاضب لم يهتم
بتفهمه .. لقد
نجح اخيرا فى
هدفه و اجتاز
معركة العبور
الخاصة به بكل
بساله وها هو
ذا الصغير
يبتسم له فى
لطف شاكرا
اياه وينصرف ..
بينما رفع هو
بصره للجهة
المقابله
ليرى صابر
ينظر اليه
مشدوها ...
سارت الحياة
بعبده على هذا
النحو عدة
ايام .. بل انه
كون صداقات
عديده مع كثير
ممن عاونهم
علىالعبور
فاصبحوا
ياتونه كلما
احتاجوا عبور
الطريق
فيثرثر و
اياهم حتى
يكثر عددهم
فيعبروا
الطريق معا ثم
يشيعوه
بدعواتهم له
بالسلامه ..
كما ان بعض
اصحاب
السيارات ممن
اعتادوا
المرور فى هذا
الطريق قد
اعتادوا على
جنونه وطيشه و
اصبحوا
يتوقفون له
واصدقائه
للمرور بدون
سباب او لعنات
..
وجاء يوم رأى
عبده فيه
نشاطا غير
مألوف فى
تشجير الشارع
و تنظيفه .. حقا
انه شارع نظيف
فى المعتاد
الا ان
العنايه به
هذه المره
تنبئ بشئ غير
عادى .. ولم
يهتم هو بتقصى
الامر .. فأى
فرق يشكله
تشجير الشارع
لديه ان كانت
الاصص سوف
ترحل مع رحيل
الحدث الجلل !!
ظهرت على
الرصيف امرأة
عجوز لم يرها
عبده من قبل
ضمن اصدقائه
العابرين كل
يوم .. وكان من
عادته ان
يتريث قليلا
قبل عرض
المساعده حتى
يتاكد ان
الهدف يريد
عبور الطريق
فعلا و ليس
متوقفا
انتظارا
لتاكسى او ما
شابه ..
وبالفعل فقد
راى عبده
السيده ترفع
يدها لتشير
لاحدى سيارات
الاجره التى
لم تتوقف
كالمعتاد ..
الا ان عبده لم
ير هذا .. كان كل
ما رآه هو يد
السيده التى
ارتفعت .. انها
ترتعد حتى
تكاد لا
تستطيع ان
تثبت لثوان
قليله لتشير ..
يا الهى !! الى
اين هى ذاهبه؟
وكيف يتركها
ابناؤها
لشأنها فى هذه
الظروف
الصحيه
الصعبه؟ تقدم
عبده نحو
السيده و
سالها عن
وجهتها بلطف ..
وعندما علم
وجهتها هبط
قلبه بين
قدميه وعلم لم
لا تتوقف لها
سيارات
الاجره ..
ينبغى لها
اولا عبور
الطريق
للركوب من
الاتجاه
المعاكس و ليس
من هنا .. ما
العمل الآن فى
هذه الورطه ..
اذا كان يلاقى
صعوبة جمه فى
عبور الطريق
مع اصدقائه
وهم فى حالة
صحيه افضل من
السيده التى
تقف امامه
فكيف يعاونها
الآن !! ما هذه
الحيره يا رب ..
وقف عبده مع
العابرة
الجديده التى
القت عليه
آمالها فى ان
يعينها على
عبور الطريق ..
وابتسم هو
مجاملا
محاولا ان
يخفف قليلا من
احساسه
بالحرج و
الحيره .. ومرت
ثوان قبل ان
يلاحظ عبده
شيئا عجيبا لم
يره فى شارعه
من زمن .. لقد
خلا الشارع
فجاه من
السيارات !!
عجبا !! اين
ذهبت
السيارات
التى لا تكف عن
نهب الطريق
يوميا فى هذه
الساعه !! لابد
ان هذه السيده
فيها شئ لله ..
وابتسم لها
متفائلا مادا
يده لها كى
يعبرا الطريق
سويا .. للمرة
الاولى لا
يشعر عبده
برهبة او توتر
وهو يعبر
الطريق فى ثقة
و بطء حتى لا
يزعج رفيقة
رحلته
القصيره ..بل
ويدعوها ان
تاخذ الوقت
الذى تحتاجه
فى العبور فلا
داعى لاى عجله
.. الا ان هذا
الاحساس
الرائع
بالامن لم يدم
سوى ثوان
معدوده راى
عبده بعدها
سيارة سوداء
قادمه تنهب
الارض نهبا فى
اتجاهه .. ومن
خلفها دراجات
بخاريه عديده
انتشرت حولها
كالذباب ..
وسقط قلبه بين
قدميه .. هذه
المره لا يكاد
يتبين وجه
قائد السيارة
القادمه
بسرعة
الصاروخ لكن
قلبه يحدثه ان
قائدها لن
يتوقف ولو
توقفت الارض
عن الدوران .. و
بدا يسمع صراخ
سارينه كتلك
الخاصه
بسيارات
الاسعاف وان
كان لا يتذكر
الآن هى اسعاف
ام مطافئ ام
ماذا !! وهدر
صوت غاضب فى
ميكروفون لا
يدرى اين وضع
يصرخ من اين
اتى هؤلاء
الاغبياء الى
منتصف الطريق
!! وبالطبع لم
يكن حال
رفيقته خيرا
من حاله باى
شكل .. بل انه
خشى ان يتوقف
قلبها من
الفزع مما
يدور حولهما ..
واحس عبده
بالطريق الذى
طالما رآه
متسعا يضيق
تدريجيا مع
اقتراب
السيارات
السوداء التى
اربكها وجود
عبده و رفيقته
فى منتصف
الشارع .. وبدا
الرفيقان
بدورهما
كانما شلت
اطرافهما من
الفزع فلم
يتحركا ..
بينما اخذ
عبده يتلو
الشهاده فى
سره بينما
ثبتت عيناه
على الركب
القادم وقد
فقد كل امل
فىالنجاه ..
غير انه يبدو
ان عمره لازال
به بقية .. إذ
تشتت الركب
حولهما
مستمرا فى
عدوه
الصاروخى
بينما توقفت
آخر سياراته
السوداء ..
لينزل منها
رجل علم عبده
بخبرته
البسيطه انه
احد مسئولى
تامين الركب ..
فلم ير سببا
للتوقف عن
تلاوة شهادته
!! الم يعرض
موكبا هاما
للخطر !! ما
الذى ينتظره
اذن !!
تقدم نحوهما
الرجل فى بطء
اعطاهما فرصة
استعادة
انفاسهما ..
واخيرا نطق
الرجل قائلا :
ما هذا الذى
كنت تفعله؟
وقبل ان يرد
عبده هوت على
اذنيه اهانة
مست والديه
ومست كرامته
لاقصى درجه ..
حتى شعر معها
برغبة عارمة
فى البكاء الا
انه لم يفعل ..
بل شعر
بالشجاعة
اللازمه كى
يرد قائلا وقد
احمرت اذناه :
كنت اؤدى
واجبى كرجل
مرور فما كان
من الرجل الا
ان قال : ماذا؟
دورك كرجل
مرور؟ اى دور
تافه تتحدث
عنه ايها
النكره؟
تراجعت
الرغبه فى
البكاء لدى
عبده مع سيل
الاهانات و
حلت محلها
جسارته
القديمه فى
مواجهة
السيارات ..
انه خاسر فى كل
الاحوال
فلتكن خسارته
اذن بشرف .. فشد
قامته قائلا :
نعم دورى كرجل
مرور .. ذلك
الذى اتقاضى
عنه انا
النكره مرتبا
نكره .. قد ترى
انت و غيرك
دورى فى تنظيم
الطريق
لاولئك
المحظوظين فى
مركباتهم
اللامباليه
بينما ارى انا
انه يتضمن حق
هؤلاء
التعساء
السائرين على
اقدامهم ..
الذين لم يفكر
فيهم احد ..
ربما لانهم
نكره مثلى لم
يهتم احد ..
وربما يكون
هذا سبب
احساسى بهم
وتعاطفى معهم
.. اننا نتماثل
فى كوننا نكره
.. وهنا صاح
الرجل فيه
قائلا : كيف
تجرؤ على
مخاطبتى بهذه
الصوره؟
انسيت من اكون
و من تكون يا ..
وقبل ان يبدا
فى توجيه
اهاناته مره
اخرى .. صاح فيه
عبده قائلا :
كفى .. لن اسمح
لك .. تستطيع ان
تعاقبنى
كيفما تشاء و
لكن ليس من حق
مخلوق ايا كان
ان يهيننى حتى
لو كان رئيس
رئيسك و لست
انت فقط .. سوف
اعين هذه
السيده على
امرها حتى
الجهة الاخرى
وبعدها افعل
بى ما تشاء .. ثم
خاطب السيده
قائلا : هيا يا
اماه .. وفى هذه
المره ايضا
عبر الطريق
دون اى خوف او
وجل .. لعل
السبب هو
احساسه انها
المرة
الاخيره التى
يعبر فيها هذا
الطريق .. كم
سيفتقد
اصدقاءه ..
وصابر؟ من
الذى سوف يصفق
و يعلو صفيره
كلما راى
بطولة عبده
المتواضعه !!
سوف يفتقد
الجميع دون
ريب ولكن ترى
هل سيفتقدونه
بدورهم؟ وهل
يحرمونه من
دعواتهم
المخلصه؟ وصل
للضفة الاخرى
من الطريق
وعندما ترك
اليد
المرتعده
اخيرا من يده
وجدها تمتد
لتصافحه
شاكرة اياه .. "حفظك
الله يا بنى"
كانت هذه هى
الدعوه التى
ودعته بها
رفيقته
الاخيره فى
رحلته
اليوميه ..
وعندما عاد
وجد رئيسه
ينتظر فلميزد
سوى ان قال له "انا
جاهز"
|