يحدث هذا دوماً عندما يغلق (حازم) النور ... و ينام ...

يبدأ كل ما في الكون – غرفة (حازم) – يصنع شخوصاً و أشباحاً من العدم ...

أتطلّع في تحفّز ... أتشمّم الجو حولي ...

(ميادة) – صديقتي - مستغرقة في النوم هي الأخرى ...

تدور عيناي دورة كاملة ... يلتف عنقي يمنى و يسرى ...

الأمن مستتب إذن ...

 

أسمع صوتاً من الرف العلوي ...

-      همّا ناموا خلاص يا (فوزية) ... ولاّ لسّه ...

 

إنه (بندق) ... زميل عزيز ... معي هنا ... و لديه محاولات صادقه للتودّد إليّ ... و لكنّي دوماً أصدّه ... و أرده خائباً لرفّه العلوي ... حيث يقطن ...

 

ما الذي يجمع بيني أنا ... العروس المحشوة بالقطن ...

المرتدية لأزهى الملابس ... و عندي غطاء رأسي الخاص ...

أنتعل حذاءاً أحمرَ من القماش المطّاطي ...

نفس لون الشريط اللامع الذي يحيط بخصري و أتباهى به ...

 

بينما هو مجرد دمية ماريونيت ...

مصنوع من خشب رديء ... مفاصله من معدن صدئ ...

لا يرتدي أيّة ملابس ... بل هو مصبوغ بألوان باهتة ...

ثم إن أنفه مكسور كذلك ...

 

حقيقة ليس هذا هو سبب رفضي لعواطفه الجيّاشة ...

و لا أنكر أنّي أحس بالحميمية في صوته الأجش الدافئ ...

و لكنّها ...

 

هي تلك الخيوط اللعينة الواصلة ما بين كل جزء فيه و بين مجموعة من العصيّ الخشبية المتقاطعة ...

 

إنها ما تضع الحواجز بيني و بينه ...

هو دمية مسلوبة الإرادة ... لا يتبدّل وضعه و لا يتغيّر إلا إذا حرّك (حازم) خيوطه ... ماذا أفعل لو يوماً أردته أن يضمّني ... أأوقظ (حازم) من نومه و أرجوه أن يحرّك ذراعي حبيبي و يجعلهما في وضع الضمّ ؟!! و إن اشتهت شفتاي قـُبلة ... فيتوجّب على (حازم) أن يعدّل من رأس (بندق) لتصير شفاهه تجاهي !!!

 

أتعرفون ماذا حدث يوماً عندما حاول (بندق) أن يتحرّك من تلقاء نفسه ؟

لقد تلعثمت خيوطه و تشابكت ... و سقط من فوق رفـّه ... و هذا ما تسبّب في كسر أنفه - كسراً استحال على الاصلاح – فصار هكذا دمية مشوهة ... لقد رأينا محاولات (حازم) – التي بدت لنا – مضنية من أجل تخليص الخيوط المتشابكة بعضها من بعض ... و قد أصابه الملل أثناء ذلك ... ثم تحوّل الملل إلى غضب فأخذ يهز (بندق) في عنف ... و لوهلة ظننّا أنّه سيلقي به - لا محالة – في تلك السلّة بالطرف الآخر من الغرفة ... حيث تؤخذ منها الأشياء ... فلا تعود ...

 

من الذي يحب دمية كهذا ؟!

من الذي يربط مصيره و يوجّه عواطفه و مشاعره تجاه (بندق) ؟!

 

كانت تلك هي اللحظة ...

حين سمعنا جميعاً نهنهة خشنة ...

تساءلت في هلع ...

-      هوّه فيه إيه ؟!

 

جاءني الرد من المنبّه الذي على شكل منزل ...

-      ده (بندق) بيعيّط ...

 

تساءلت بعض قطع المكعبات ...

-      ليه يا (بندق) ؟! ليه بتعيّط ؟!

 

أجاب الصوت الأجش من بين نهنهات البكاء ...

-      كان نفسي أكون من غير خيوط ... علشان (فوزية) تحبّني ...

 

ثم أردف:

- أنا أصلي بأحب (فوزية) أوي ... و نِفسي هيّه كمان تحبّني ...

نفسي أقدر أنزل للرف بتاعها – بنفسي – و أشوفها قصادي ...

نفسي أقدر ألمس بنفسي ... و أحس – بنفسي – قد إيه هيّه طرية و ناعمة ... أنا منحـــوس ... أنا مـلـعـــــون ....

 

كانت كلماته تمزقني ... كم أتمنى لو أنّه أمامي الآن ... لكنت احتضنته أنا ...

 

قالت الزرافة المطاطية ...

- طب ما تطلب من (حازم) إنّه يقطّع خيوطك ... و تبقى حر ... و تعجب ست الحسن و الجمال ...

 

- يعني تفتكري إنّه هايوافق ... ثم هوّه أصلاً ما بيفهمش كلامنا و ما بيسمعوش ... الظاهر إنّي محكوم عليّا أعيش كده ... كل حاجة عايز أعملها لازم حد هوّه اللّي يعملها لي ...

 

اعترض سائق التاكسي اللعبة داخل سيارته ...

- بس لجل الحق ... (حازم) ده بيهزّأك أوي ... و بيقعد يرقـّصك كده و يخلّي رجلك تيجي فوق رقبتك ... و حاجات كده مش ولا بُد ... هوّه انت اتعدمت العافية من شويّة ...

 

- دبّروني يا خوانّا ... أنا قرّبت انتهي ...

 

كنت متابعةً لكا الحوار الذي يدور حولي في فضول لا يخلو من ألم ...

الوضع صعب فعلاً ...

و تبدو مشكلة (بندق) بلا حل ...

 

- يا أستاذ (مقص) ... يا أستاذ (مقص) ... ممكن تـُقص خيوطي اللّي مربّطاني و معجزّاني ...

 

امتعض أستاذ (مقص) و غمغم ...

- و أنا ميت اللّي هايشيلني من على المكتب و يجيبني عندك ... ما أنا كمان زيّك لازم حد يحرّكني ... أو يحرّك الحاجات و يجيبها لعندي ... و بعدين أبقى أقصّ ...

 

ران علينا صمت مُقبض ...

لم يقطعه سوى صيحة (بندق) المنتصرة ...

- أنا لازم أقطع خيوطي ... إن شا الله أموت و اتكسّر ميت حتة ...

 

جاءه أكثر من صوت ...

- هاتعمل إيه يا مجنون؟!

 

- ها تشوفوا ...

 

- اعقل يا (بندق) ...

 

- أنا بس دلوقت اللّي عقلت ... ما فيش حياة طول ما أنا مربوط كده ... ممكن تخبطني يا عم سوّاق التاكسي بعربيتك ... على الأقل انت جوّاك بطارية تحرّكك ...

 

- ما بلاش يا (بندق) ...

 

- أرجوك ...

 

و لما بدا (بندق) مصمماً لهذا الحد ... لم يجد سائق التاكسي اللعبة بدّاً من قيادة سيارته في سرعة مندفعاً تجاه (بندق) ليدفعه في منتهى القسوة و العنف و يقذف به من فوق الرف إلى الفضاء الرحب الفسيح ...

 

كان يمكنني أن أرى (بندق) الآن ...

 

و قد فرد جسده على آخره فصارت خيوطه مشدودة ... طائراً ... محلّقاً في الهواء ... و إذ فجأة تصطدم خيوطه المشدودة بكرسي المكتب المعدني ذي الذراعين ... تشتبك الخيوط في مسامير الكرسي ... و لأن القذفة كانت قوية عنيفة ... تتمزّق خيوط (بندق) و يسقط أرضاص في عنف أشد ...

 

كانت عندها اللحظة التي ندّت عني صرخة ملتاعة ...

و هتفت بإسم (بندق) بمنتهى الحب ...

 

لقد ضحّى بنفسه من أجلي ...

من أجل حبّي ...

 

إنّه شجاع جداً ... و لكنه الآن مـــــات ....

بدأنا جميعاً البكاء في حرقة ... بينما (بندق) ملقيّ أرضاً ... مجرد جسد بلا حراك ... و قد تحرّر من خيوطه التي لا زالت تتأرجح متدلية من الكرسي المجاور ...

 

و بعد ما ظنناه دهراً ...

بدأنا نسمع تاوهاً ...

بدأ خافتاً ثم بدأ يتصاعد ... و ميّزنا فيه نبرة صوت (بندق) – الحبيبة – فحلّ الفرح سريعاً داخل قلوبنا ... و في مشهد أسطوريّ رايناه في إجلال ... بدأ (بندق) يتحرك – بلا خيوط – محاولاً التسنّد على ذراعيه الخشبيتين الضعيفتين ... إلا أنه سقط ... حاول ثانية ... فسقط ... إلا أنه لم ييأس ... و لم يكف عن المحاولة ... حتى نجح ... و بدا جسده ناحلاً ضعيفاً مهتزاً مرتجفاً و هو يستكمل محاولاته ليستوي واقفاً ...

 

هو لم يدرك أن بإستطاعته أن يتحرك ...

ظل طوال عمره حبيس خيوطه و العصيّ الخشبية التي تحرّكه ...

 

في وهن هتف ...

- (فـوزيـــة) ......

 

كانت تلك هي الإشارة – على ما يبدو – التي أنتظرها ...

   من أجل أن ألقي بنفسي – أنا الأخرى – من فوق رفـّي ...

  

                     ليتـلقـفـنـي بـيـن ذراعـيـه ...

 

                                       الـحـبـيـبـتـيـن !!!

 

  


© Mohamed Naguib Abdallah 2005 



 


 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY


 
 

NAWAADIRAMIYNSALIH04.html