دار كامل عينين زائغتين فى الحجره من حوله .. كان يجلس فى مكتبه باحدى المصالح الحكوميه التى عمل بها منذ ما يزيد على ثلاثين عاما .. كان يتامل حجرته كانما يراها لاول مره .. وفى الواقع كانت تلك هى آخر مره يرى فيها حجرته تلك .. اذ كان الغد يوافق ذكرى ميلاده الستين ..

اتت الذكرى الستون لمولده لتاخذ منه عمله وتلقيه مع غيره من ارباب المعاشات للفراغ و النسيان .. لم يكن كامل يدرك ان العمل يعنى له هذه الاهميه من قبل .. يبدو انه كان ياخذه امرا مسلما به لم يفكر انه قابل للتغير فى يوم من الايام ..

وقعت عيناه خلال تاملهما على احد الادراج الذى ترك فيه سلسلة مفاتيحه .. وراى بها ذلك المفتاح الذى انكسر فى يوم من الايام فى ذلك الدرج .. لم يدر وقتها ما الذى دفعه للاحتفاظ بذلك المفتاح المكسور طيلة هذا الوقت فى ميداليته !! اليوم سينزع ذلك المفتاح مع غيره من المفاتيح ليسلمه لمن سيشغل منصبه ذلك .. شعر بسخافة الفكره بعد ان اعاد التفكير فيها !! فمن سيهتم بتسلم مفتاح مكسور لا قيمة له !! اغلب الظن انه سيصحبه ضمن متعلقاته التى سيغادر بها المكان فى نهاية ذلك اليوم ..

اخرجه من افكاره و تاملاته دخول مصطفى الساعى عليه حاملا فنجال قهوته التى اعتاد ان يشربها فى هذا الوقت من كل يوم .. كان يشعر انه قد صارت بينهما صله خفيه تجعل مصطفى يدرك ما يحتاجه دون ان يطلب منه !! فكان فى بعض الاوقات ياتى اليه بقهوة لم يطلبها او كوب من الليمون لم يتوقعه .. وفى الحقيقه فان كامل كان يشعر بامتنان عميق لمصطفى ربما لم يهتم يوما ان يعبر عنه .. وان كان قد شعر اليوم برغبة عارمه فى ان يعبر له عن هذا الامتنان دون سبب واضح لديه .. فرفع عينيه الى مصطفى بعد ان وضع القهوه واراد ان يبتسم فلم تطعه شفتاه .. فى الحقيقه كان يشعر برغبة عارمه فى البكاء .. ويبدو ان مصطفى قد شعر بما يعتمل فى نفسه كالمعتاد فربت بيده على كتفه برفق وهو يقول بصوت خافت :

سنفتقدك جميعا يا كامل بيه

ويبدو ان هذه الجمله كانت هى آخر ما يحتاجه كامل كى يترك لاحاسيسه العنان فطفرت الدموع من عينيه وبدا الم عميق على وجهه وهو يبتلع ريقه بصعوبه وقد توقفت الكلمات على شفتيه فلم يدر ماذا يقول .. كان يشعر انه قد فقد حتى القدره على التنفس وليس القدره على الكلام فحسب .. وإن كان قد واساه قليلا ان هناك من يستطيع ان يبكى امامه دون خجل ..

ويبدو ان مصطفى قد اراد ان يخفف عنه قليلا فقال فى صوت حاول ان يجعل نبرته مرحة :

الزملاء فى الاداره اعدوا لك حفل وداع مفتخر 

ويبدو ان كلمة "وداع" قد زادت فى حجم الالم الذى يشعر به كامل الذى ابتسم فى حزن مرددا : وداع !! بهذه السرعه؟ ما اسرع ما تمر الايام .. اكاد ارى بوضوح ذلك اليوم الذى تسلمت فيه عملى فى هذه المصلحه .. ويوم حصولى على الترقيه الاخيره التى وضعتنى فى هذا المكتب لما يزيد على عشرة اعوام .. لا استطيع ان اتصور ان ثلاثين عاما او اكثر قد انقضت من عمرى بهذه السرعه .. لا اريد احتفالا يغص بكلمات بلهاء ينصرف قائلوها بعدها الى حياتهم وكأن شيئا لم يكن .. لا اتخيل انى لن آتى غدا الى هذه الحجره .. اغلق تكييفها و افتح نوافذها لاشعر بالهواء يتسلل الى صدرى حاملا الى احساسا جارفا بالحياة وبان يوما جديدا قد اتى .. لا اتصور ان تنتهى حياتى على هذا النحو .. هذا ليس عدلا

واطرق كامل قليلا ربما ليخفى دموعا جديده ظهرت فى عينيه .. وشعر مصطفى ربما لاول مرة منذ عمل مع كامل بعجز عن ان يقول شيئا .. اى شئ .. فانصرف بخطوات بطيئه تاركا كامل مع احزانه

وخلال الاحتفال الذى حضره كامل مضطرا كان يبدو شاردا زائف الابتسامه .. ربما كان الاحتفاظ بابتسامته خلال ذلك الاحتفال اشق عليه من سماع كلمات المجامله المالوفه فى مثل تلك المناسبات .. وتسلم الهديه التى اشترك مرئوسوه فى شرائها على مضض وان ظلت ابتسامة الشكر على شفتيه .. وحين انتهى الاحتفال و عاد الى مكتبه ليلملم اشياءه قبل الرحيل .. تعجب من خطا تصوره طيلة تلك الاعوام الماضيه .. فقد كان يظن ان يوم رحيله عن مكتبه سيكون يوما مشهودا .. يضطرب له الجميع ويرجونه ان يعيد التفكير فى قرار المعاش وان يحاول ان يمدد فترة خدمته حتى يظل معهم .. وكان يرى نفسه بعينى خياله يرفض هذا بابتسامة رقيقه حتى يترك الفرصة لمن بعده ويغادر المكان محملا بكمية كبيره من الاوراق ومشاعر عميقه بالاسى ممن حوله .. فاذا به اليوم يخرج من مكتبه دون اى ورقه .. ولا حتى ورقة واحده ..ويرى مرئوسيه السابقين وقد عاد كل منهم الى مكانه كانما ادى واجبا مفروضا عليه و انتهى الامر .. ربما كان مصطفى وحده الذى بدا عليه التاثر لفراق كامل .. وربما كان هذا هو الذى دفعه ان يشترى له هدية وداع منفصله عما اشتراها باقى زملائه رغم ضيق امكاناته الماديه تقبلها كامل منه وهو يغالب دموعه ليحتفظ بابتسامته امام المحتفلين به ..

ويبدو ان كامل لم يكن يدرك بعد خطا ظنونه طيلة تلك الاعوام الطويله التى ظن فيها ان العمل سيتوقف ويصيبه الشلل من دونه .. فحدثته نفسه فى اليوم التالى ان يذهب لزيارة مكان العمل بحجة الاطمئنان على سير العمل بذات الكفاءه التى كان عليها فى ايامه ..

كان قلبه يخفق بقوه وهو يخطو فى نفس الممر الذى قطعه مئات الممرات فى الاعوام الماضيه ليصل الى ادارته !! كان يشعر بخجل لا يدرى سببه .. ربما لانه يدرك انه فيما يشبه اختبار لمدى اهميته .. اختبار قد لا يتحمل نتيجته اذا اتت عكس ما يشتهى .. فى طريقه الى حجرات مرئوسيه السابقين التقى ببعضهم الذين قابلوه بابتسامة سريعه مع ايماءه من الراس قبل ان ينصرفوا الى شئونهم .. وكانت تلك الابتسامات هى ما دفعه لان يعيد التفكير فى الذهاب الى حجرته القدميه .. فتثاقلت خطواته مع قرب وصوله اليها .. الا انه لم يستطع ان يتوقف تماما قبل الوصول اليها .. كان العمل فى الحجره على قدم و ساق لاعادة طلائها بالوان جديده اختارها خلفه لتناسب ذوقه .. وراى على الارض جهاز تكييف جديد يتناسب مع النوافذ ثقيلة الستائر التى اختارها المدير الجديد ..

"يبدو ان ظنونى كانت حقا خاطئه" .. هكذا حدث كامل نفسه وهو يعود بتثاقل من حيث اتى .. كان شعوره بالاختناق يتزايد تدريجيا .. التقى باحد مرئوسيه الذى اصر ان يدعوه الى فنجال من القهوه فى حجرته التى تجمعه وبعض الزملاء .. وحين قبل كامل الدعوه شعر لاول مرة انه ضيف فى هذا المكان .. فالجميع وان كانوا قد رحبوا به وتسابقوا على دعوته لتناول القهوه الا انهم سرعان ما عادوا الى مشاغلهم و تناسوا وجوده حتى شعر بالندم لقدومه .. ولم يخف شعوره هذا سوى بعد ان وصل الى الطريق اخيرا واستطاع ان يفك رباط عنقه ليخفف من شعوره بالاختناق .. القى نظره اخيره على المبنى قبل ان يبتعد عنه .. وقد اقتنع اخيرا و بصعوبه بالغه .. انه  قد صار حقا .. على المعاش

© Mona Ma7moud  2004


 
 

 


 

 
 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

 

BACK TO MAIN PAGE

 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY