-                       ألمسرح هو قاعة المحكمة السابقة.

-                         يدخل الحاجب ومعه دفتر يقرأ منه.

ألحاجب : (صائحاً بصوت عالي) محكمة.

-                         يقف الجميع

ألحاجب : محكمة عدالة القاضي نستاويل منعقدة الآن.

-                         يدخل نستاويل بلبسه القضائي ويجلس على كرسيه.

القاضي : (مشير بيده إلى الحضور) اجلسوا. (يقرأ من أوراق أمامه) القضية عبارة عن سؤال "من المسئول عن موت المدعين؟ ولماذا لم يعطوا الفرصة ليدافعوا عن نفسهم؟

-                   فتره صمت يقلب القاضي أثنائها في الورق ليبحث على نص الدعوى.

القاضي  :" المدعون يتهمون القيادة العسكرية وعلى رأسها المشير عبد الحكيم عامر بأنها المسئولة عن فقدهم لحياتهم. (ناظراً إلى يحي) أليس كذلك يا يحي؟

يحي   : تمام.

القاضي : ما قول ممثل الدفاع؟ هل المتهمون مذنبون أم غير مذنبين؟

المحامية : غير مذنبين.

القاضي : يحي. قول للمحكمة ليه المشير والقيادة العسكرية هم المسئولون عن الهزيمة.

يحي   : السيد القاضي. من الأهداف المعلنة لثوره 23 يوليه كان إنشاء جيش قوى. والمشير عامر كان الرجل الثاني في مصر و المسئول عن الجيش. المشير عامر كان أقوى شخصية في مصر. أنت عارف عدالتك ليه؟

القاضي : ليه؟

يحي   : لأن المشير كان شهم وجدع. كان كله رجولة وإنسانية. كان مثال المصري الأصيل. عشان كده دخل قلب كل فرد في مصر.

المحامية  : الحمد لله ممثل الادعاء أعترف بشهامة ورجولة المشير وده دليل على براءة موكلي من التُهمة ألمنسوبه إليه. فالتُهمة قريبة من تهمة الخيانة. والرجل الشهم مايخنش أبداً.

عويس   : صح. اللي يخون يبقى راجل نتن.

يحي   : بالعكس. شهامة ورجولة المشير هما دليلا إدانته.

القاضي : إزاي؟

يحي   : المشير كان بيسحر قلوب الناس وده حبب فيه الجيش لدرجة العبادة.

فتحي  : صح. أنا كنت بأحب المشير حب عبادة.

المحامية : وده يثبت أن المشير كان قائد عسكري من الطراز الأول. ككل القواد العظام كانوا محبوبين من جيشهم زى الإسكندر الأكبر أو نابليون.

يحي     : وده الدليل الثاني على إدانته.

المحامية : (باستغراب) إزاي؟

يحي   : المشير كان محبوب من الجيش فكان الرئيس عبد الناصر ما بيرفضلوش طلب.

فتحي  : أنا شاهد على كده. الجيش كان بيعبد المشير.

المحامية  : (معترضة) السيد القاضي. ممثل الادعاء يريد أن يعطى انطباع بطريقة غير مباشرة على أن المشير كان بيستخدم الجيش للضغط على القيادة السياسية. الحقيقة أن الرئيس عبد الناصر ما كانش بيرفض للمشير طلب لأنه كان بيحبه ويحترمه مش لأنه كان خايف منه.

يحي     : وده هو الدليل الثالث على إدانة المشير.

القاضي : يا د. يحي فين الأدلة دي اللي آنت بتتكلم عنها؟ وضح شويه.

يحي   : يا سيادة القاضي. لما يكون القائد العام شهم وراجل مش هيكون له أعداء في السر لأن الكل بيحبه.

حامد  : أنا معك في دي.

يحي   : ولما يكون المشير محبوب من الجيش مش هيكون له أعداء في العلن لأن الجيش هو الجهة الوحيدة اللي ممكن تعلن عدائها.

فتحي  : الجيش ما بيخافش من حد.

يحي   : ولما المشير يكون محبوب من رئيس السلطة السياسية فتكون كل طلباته مجابة. صح؟

حامد  : تمام! تمام!

يحي   : بمعنى أصح، المشير كان عنده كل السلطات والصلاحيات والتخويل لكي ينتصر. بدل من كده البلد انهزمت شر هزيمة بطريقة مهينه. وهذه مسئولية المشير ووزير الحربية.

صبحي : مين هو رئيس السلطة السياسية؟

حامد  : الرئيس عبد الناصر طبعاً.

القاضي  : يا يحي. خلصت دفاعك؟

يحي   : نعم

القاضي : (موجهاً كلامه إلى المحامية) دفاعك يا أستاذة.

المحامية  : السيد القاضي أريد أن أذُكر ممثل الادعاء أن أعضاء الثورة ومنهم المشير عرّضوا حياتهم للخطر لما قاموا بالثورة. غيروا البلد من بلد إقطاعي إلى بلد الكل له نفس الحقوق والواجبات. هذا البلد قاد ثورات التحرر في العالم. لذلك لابد أن المحكمة تأخذ هذا في الاعتبار عند حكمها.

القاضي  : هناخد ده في الاعتبار.

المحامية  :  السيد القاضي ممثل الادعاء يحاول أن يرسم صوره مبسطة لمشكلة معقده تتدخل فيها عوامل كثيرة، بعضها لا يمكن التحكم فيه.

القاضي : إزاي؟

المحامية : يا سيادة القاضي. الهزيمة لما بتحصل بتكون نتيجة لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية أما خطأ القواد فيحدث في كل الجيوش المنتصرة منها والمنهزمة لأن القواد بشر مثل كل البشر. لذلك قبل الحكم على موكلي لابد من الإجابة عن هذا السؤال.

القاضي : إيه السؤال؟

المحامية : السؤال هو"هل كان من الممكن أن تنتصر مصر على إسرائيل؟ أم أن الهزيمة كانت حتمية بغض النظر عن من كان في القيادة ؟

يحي   : لا يوجد شيء حتمي يا سيادة القاضي في هزيمة مصر والعرب في هذه الحرب. لا يؤمن بهذه الحتمية غير الفاشلين فقط.

القاضي  : كلامكم كله عام ولا يؤخذ في المحكمة كدليل. وضحوا أكتر.

المحامية  : السيد القاضي، أنا سأوضح ما قلت.

القاضي  : وإحنا في الانتظار.

المحامية  : لكي تنتصر أمة في معركة لابد أن يكون لديها إبداع أكثر من عدوها. إذا لم يتحقق هذا الشرط فالنصر في المعركة يكون صعب المنال.

 حامد : أدينا مثال؟

المحامية  : الإسكندر الأكبر مثلاً حارب الفرس بجيش ما يزيدش عن 50000 مقاتل مقابل أكتر من 200,000 للفرس لكن الإسكندر هزمهم. عارف ليه؟

حامد  : ليه؟

المحامية : لأن الإغريق كانوا مبدعين في طرق وآلات الحرب بحيث أن أساليبهم كانت جديدة وكانت بتقلب موازين القوى.

القاضي : إزاي؟

المحامية : مثلا الإسكندر أستخدم طريقة جديدة للحرب أسمها الفايلانكس. أما جنكيز خان فأستخدم سرعة الحركة. عشان كده انتصروا في معاركهم.

يحي   : السيد القاضي. ربما الإسكندر وجنكيز خان انتصروا لما كانوا عايشين لكن اللي خبته الآنسة المحامية هو إن مملكة الإسكندر تفككت بعد موته مباشرة إلى مملكتين واحدة منهم كانت البطالمة في مصر. فلو كان كلام المحامية صحيح ليه مملكة الإسكندر و جنكيز خان لم تستمر؟

القاضي  : صح. إيه ردك يا آنسة؟

المحامية : إذا عرف السبب بطل العجب.

فتحي  : وإيه السبب؟

المحامية : السبب هو عدم توفر النوعية السليمة للولاء. الشخص يحارب ويضحى بنفسه من أجل الشيء الذي يحس بولاء له. كان ولاء الناس للإسكندر نفسه لذلك كان الجيش على استعداد أنه يضحى بنفسه في سبيل الإسكندر. لكن لما مات الإسكندر توزع ولاء الجنود بين قواد الإسكندر فتفكك الجيش و كل قائد أستولي على جزء من الإمبراطورية  فتفككت الإمبراطورية اليونانية وهو نفس ما حصل لدولة جنكيز خان.

يحي   : يا سيده القاضي. الآنسة دروع حولت القضية إلى درس في التاريخ. لكن يبدوا أنها مُدرِسة غير قارئة للتاريخ. قضية الإسكندر بيثت في أن الإمبراطورية تفككت فقط، لكن المشكلة أن الإمبراطورية اليونانية كلها دمرت على يد الرومان بعد 300 سنة وأصبحت مقاطعة رومانية. وكل ما قالته الآنسة دروع عن الإبداع لم يضمن استمرارية الدولة. وهذا هو نفس ما حدث مع المغول. يعنى في النهاية هذه الدول المبدعة قد انهارت والذي قالته المحامية لم ينقذها من الانهيار.

فتحي  :كلام صحيح يا يحي. ينصر دينك.

صبحي : دا أنت مش دكتور في الهندسة بس دا أنت محامي كبير قوى.

عويس : يا د. يحي دا أنت ما ولدتكش ولادة.

حامد   : استنوا يا جماعة خللينا نسمع رد المحامية. دا دي مية من تحت تبن.

القاضي : (مبتسما) إيه ردك يا آنسة دروع؟ باين إن يحي كسب الجولة دي.

المحامية  : (مبتسمة ابتسامة خفيفة بثقة) يا سيادة القاضي الرومان انتصروا لأن إبداعهم العسكري والتنظيمي والإداري كان أعلى من اليونان. الرومان استخدموا مثلاً سيوف متقدمه، استحدثوا نظام التجنيد والخدمة في الجيش، شقوا طرق معبدة لسرعة التنقل وغيرها من الإبداعات. لكن أكثر من ذلك كان ولاء الجندي الروماني للدولة الرومانية وليس للحاكم. الولاء للدولة أعلى من الولاء للفرد.  في حالة الولاء للدولة الهزيمة في معركة أو حرب لا تؤدي إلى انهيار الدولة. لكن إذا كان الولاء للفرد فالهزيمة في الحرب تؤدي إلى انهيار الدولة.  وهذا يفسر استمرارية الدولة الرومانية لمدة 1000 سنة وانهيار الدولة الإغريقية بعد 300 سنة فقط.

يحي   : يا سيادة القاضي الآنسة المحامية تعلم أن الدولة الرمانية انهزمت على يد المسلمين وفى سنوات معدودة ولم ينفعهم ولائهم لدولة روما ولا لغيرها. المسلمين كان لديهم قواد عباقرة زى خالد بن الوليد و هم الذين قادوا المسلمين للنصر. لولا هؤلاء القواد العباقرة لكانت الصورة مختلفة. لذلك أنا أطالب بتحميل مسئولية الهزيمة لقواد الجيش المصري لأنهم هم سبب الهزيمة.

حامد  : يحي عنده حق. كان القواد العسكريين المسلمين عباقرة. هل تنكري دا؟

فتحي  : طبعاً عنده حق. هي تقدر تنكر.

صبحي : الا خالد بن الوليد. مفيش قائد في العالم زيه. تنكري ده؟

عويس : دي لو أنكرت يكون سب في الصحابة، وده يبقى كُفر زى ما قال فضيلة الشيخ صلاح.

حامد  : يا جماعة استنوا المحامية حيلها كتيرة. خلينا نشوف هتقول إيه؟

المحامية : قبل ما أجاوب على السؤال ده عايزه أسال الدكتور يحي سؤال.

يحي    : اسألي؟

المحامية  : (موجهة كلامها ليحي) يا د. يحي، تعتقد أنت أذكى ولا سيدنا بلال بن رباح.

حامد  : دا سؤال يتسأل؟

صبحي : دا سؤال غريب. يا ترى ناويه على إيه؟

فتحي و عويس : أيوه.

يحي   : أنا مش فاهم قصدك إيه من السؤال. لكن هأجوبك. سيدنا بلال، رضي الله عنه، أذكى من ألف واحد زي. الراجل اللي وقف قدام صناديد قريش وأتبع الحق أذكى من مليون واحد زى حالاتي.

المحامية  : طيب. أنت أذكى ولا سيدنا عمر بن الخطاب؟

-                   ينظر الجميع بشغف إلى يحي ليسمعوا ماذا سيقول.

يحي    : (بتشكك في نيتها) أنت عايزه توقعيني في الغلط ولا إيه؟ إزاي تسألي سؤال زى ده؟ إزاي تقارني صحابي كون دولة تمتد على نص العالم وهزم أقوى دولتين في العالم بواحد زى حالاتي معرفش يهزم شوية عساكر إسرائيليين؟ مجرد طرح السؤال هو إهانة لسيدنا عمر ولكل المسلمين. عشان أتقارن بسيدنا عمر لازم أهزم أمريكا وروسيا في نفس الوقت. وأدمر روسيا بالكامل. هو أنا عملت كده؟

المحامية : معنى كده أنت اعترفت أنهم أذكى منك مليون مرة. صح؟

يحي    : المسألة مش محتاجة اعتراف. دي حقيقة ظاهره زى الشمس.

المحامية : يا سيادة القاضي كلنا عارفين أن أول قرار أخده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو عزل خالد بن الوليد وأخذ نصف ماله و كان خالد في قمة انتصاراته. أما بلال فهو اللي قسم أموال خالد ورد النصف للدولة.

فتحي   : (بدهشة) ويعمل ليه كده. هو في حد زى سيدنا خالد رضي الله عنه؟

المحامية  : سيدنا عمر جاوب على سؤالك يا فتحي قال فيما معناه : "أنا عزلت خالد ليس عن تقصير منه لكن لأن الناس فتنوا به فأردت أن يعلموا أن النصر ليس من خالد لكن من الله."

يحي   : لكن إيه علاقة ده بهزيمة المسلمين للروم؟

المحامية  : السبب هو إن سيدنا عمر حس أن ولاء الجنود كان لسيدنا خالد لأنهم كانوا بيثقوا في النصر لما خالد يكون القائد. سٍيدنا عمر حب يغير ولاء المسلمين ليصبح ولاء للفكرة وهى الإسلام وليس للحاكم أو الدولة. الولاء للفكرة أقوى من الولاء للدولة لأن الدولة ممكن تنتهي أما الفكرة الحق لا يمكن هزيمتها. ودا اللي عمله سيدنا عمر. بعزل خالد حول ولاء الجنود من ولاء لفرد إلى ولاء لفكره وهى "ألإيمان بنصر الله."

القاضي : كلام منطقي.

المحامية : يا سيادة القاضي الدكتور يحي عزى عبقرية سيدنا عمر إلى هزيمة أكبر دولتين في العالم. أنا رأى أن تغيير ولاء الناس من ولاء للفرد إلى ولاء للفكرة تجعل سيدنا عمر من أكبر عباقرة العالم أجمع.  

يحي    : ممكن أتفق مع الآنسة دروع في رؤيتها عن الولاء. لكن تفسري بإيه انهيار الدولة الإسلامية بالرغم من استمرار ولاء المسلمين لنصرة دين الله؟

حامد   : الجواب معروف. المسلمين نسوا دينهم واعتمدوا على قدرتهم الدنيوية المحدودة فخذلهم الله. الله قال إن تنصروا الله ينصركم.

المحامية : يا سيادة القاضي. الدولة اللي عندها إبداع أكتر تكسب المعركة. و لو كان الولاء فيها أعلى تكسب الحرب.  ولو كان الناس عندهم حرية التعبير والنقد والاختيار تستمر هذه الدولة منتصرة. الحرية دي بنسميها إنهارده "ألديمقراطية."

يحي   : إيه علاقة دا بالسؤال؟

المحامية  : العلاقة أكيده. في القرن الخامس الهجري أو ال 11 الميلادي أفتى علماء المسلمين بقفل باب الاجتهاد. دا معناه قفل باب الفكر والإبداع فأصبحت الأمة غير مبدعة وانهزمت أمة الإسلام بأكملها أمام دولتين أوربيتين، (إنجلترا وفرنسا) عدد سكانهم أقل من عُشر عدد المسلمين.  أنهزم المسلين مش بسبب الولاء لكن بسبب غياب الديمقراطية ودا أدى إلى انعدام الإبداع.

حامد  : يا سيادة القاضي موضوع الديمقراطية دا مش داخل في نفوخي. في الحرب العالمية التانية ألمانيا كانت دولة دكتاتورية وهزمت العالم كله. فرنسا كانت دولة ديمقراطية ودمرها هتلر في أسبوعين. روسيا كانت دولة دكتاتورية وهزمت ألمانيا. ليه الديمقراطية ما نفعتش فرنسا و غيابها ما هزمش روسيا؟

صبحي : الله دا أنت يا حامد مش بتفهم بس في الدهب دا أنت بتفهم في السياسة برضوا.

يحي   : في نقطه تانية. الآنسة دروع أخدت أمثلة من الحروب القديمة اللي ممكن ما تنطبقش على الحروب الحديثة.

القاضي  : ليه؟

يحي   : لأن يا سيادة القاضي في الحروب القديمة كانوا بيستعملوا السيوف والدروع وكان فيه التحام مباشر. إنهارده ما فيش التحام مباشر. الجندي بيضغط على زر يطلق صاروخ يدمر مدينة كاملة.

 

المحامية : يا سيادة القاضي ألمانيا هزمت العالم كله في بداية الحرب العالمية التانية لأن كان عندها إبداع أكثر في الأسلحة والخطط الحربية الصناعة و التنظيم. فالمسألة مسألة إبداع سواء كانت الأسلحة شوم أو صواريخ. يعنى أبداع ألمانيا كسّبها المعارك الأولى. لكن ولاء الألمان كان لهتلر ودا أدنى أنواع الولاء. عشان كده خسرت ألمانيا الحرب.

يحي   : لكن ألمانيا بقت دولة عظمى دلوقتي.

المحامية : لأن ألمانيا كان عندها الإبداع وبعد الحرب استخدمت إبداعها في النهوض مرة تانية. وتغيّر الولاء من ولاء للفرد إلى ولاء للديمقراطية.

حامد  : طب وفرنسا ليه انهزمت من ألمانيا وهى دولة ديمقراطية؟

المحامية : فرنسا انهزمت لأن إبداع ألمانيا كان متفوق على إبداع فرنسا. مثلاً كان أكبر مدفع فرنسي هو 75 مليمتر وكانت ألمانيا بتصنع مدفع 400 مليمتر. فرنسا اعتمدت على أساليب الحرب العالمية الأولى لكن ألمانيا طورت أساليبها.

حامد  : و إزاي الإتحاد السوفيتي أنتصر على ألمانيا وهو دولة دكتاتورية لا تحترم الفرد ولا حقوقه و الولاء كان لشخص ستالين.

المحامية : ما تنساش إن ستالين بدأ برنامج ضخم للتصنيع سنة 33. و أصبحت روسيا دولة صناعية من الطراز الأول وهنا عنصر الإبداع تحقق. لكن الروس انهزموا في البداية والألمان وصلوا موسكو لأن ولاء الناس كان لستالين زى ما قال حامد.  ستالين عرف أنه هينهزم فطلب من الناس أن يقاوموا الألمان ليس من أجله هو لكن من أجل الأم روسيا، بكده تغير الولاء من ولاء لستالين إلى ولاء للدولة عشان كده زادت المقاومة وأنهزم الألمان.

يحي   : لكن الإتحاد السوفيتي أستمر دولة دكتاتورية.

المحامية : عشان كده الإتحاد السوفيتي مش ممكن يستمر.

يحي   : مين هيقدر يهزم بلد تقدر تدمر العالم 4 آلاف مرة؟

المحامية : الله أعلم.

يحي    :  يعنى عايزه تقولي أن أمريكا انتصرت في الحرب العالمية التانية عشان عندها ديمقراطية وإبداع.

المحامية  : أكتر من كده. كان ولاء الأمريكان للدستور والقانون والحرية، وده ولاء لفكره. هذا الولاء مكفول بالدستور الأمريكي لدرجه أن المادة الثانية من الدستور الأمريكي تنص على حق الأمريكان في التسلح لكي يحاربوا حكومتهم لو أصبحت هذه الحكومة مستبدة ويدافعوا عن الحرية. 

صبحي   : حريتهم ولا حرية العالم.

المحامية  : حريتهم طبعاً.

حامد  : ولما هم كده، ليه متبهدلين في فيتنام؟

المحامية : سبب الحرب في فيتنام هو الهيمنة وليس الدفاع عن الحرية. الأمريكي عنده استعداد يموت عشان حريته. لكن يموت عشان الآخرين، لأ؟

يحي   : السيد القاضي، القضية أنه فيه هزيمة مذلة حدثت في يونيه، فقد كثير من الناس أرواحهم فيها من المسئول المباشر عن الهزيمة؟ الجواب أن الذي كان في يده القرار هو المسئول عن الهذيمة.

المحامية : في كتير من الأحيان ياخد الإنسان القرار ويكتشف أنه غلط فهو لا يعلم الغيب.

يحي   : دا صحيح لو كان المسئول أجتهد وبذل كل ما في وسعه لكن العملية هنا هي إهمال وعجز.

القاضي : تقدر تثبت؟

يحي   : طبعاً. إحنا الخمسة كنا في سرية إشارة. كنا بنستعمل كلمة سر للاتصال. فجأة نلاقى كلمة السر غير صالحة. يعطونا كلمة تانية نلاقيهم غيروها هي كمان. حتى قبل المعركة أخبرونا أن كلمة السر هي "عنب". حاولنا نتصل بالقيادة عشان نعرفهم بالهجوم لكن محدش رد.

القاضي : يمكن خطأ مسئول صغير.

يحي   : طب ووقف الطلعات الجوية يوم الحرب وضرب الطيران المصري وهو على الأرض خطأ مسئول صغير برضه؟  السيد القاضي إحنا ما زلنا نتهم القيادة العسكرية بأنها المسئولة عن الهزيمة.

القاضي : (موجهاً كلامه إلى المحامية)  هل عندك أقوال أخرى؟

المحامية : لأ يا سيادة القاضي.

القاضي : وأنت يا يحي؟

يحي   : لأ يا سيادة القاضي.

القاضي : في حد تاني عاوز يقول حاجة؟

فتحي  : أنا يا سيادة القاضي.

القاضي : أتكلم.

فتحي  : يا سيادة القاضي العساكر في الجيش لما بيستلموا سلاح بيكونوا مسئولين عنه. لو أتسرق منهم بيدخلوا السجن. بيتقال لنا أن دي مسئوليتك ولازم تحافظ عليها. عشان حتة سلاح ما تجيش ب 100 جنيه يمكن أروح السجن وتتدمر حياتي. إزاي ناس ضيعوا كل معدات الجيش المصري وتسببوا في قتل آلاف الناس وضياع سيناء وميكونوش مسئولين عن اللي حصل. أنا مش قادر أصدق.

القاضي : هنسمع من ممثلي الادعاء والدفاع ختام المرافعات. ابدأ يا يحي.

يحي   : السيد القاضي. القضية هنا محدده "من المسئول عن هزيمة يونيه وضياع الأرض والناس والشرف؟" الجواب سهل يا سيادة القاضي "ألقادة العسكريين." نحن نعترف بأن المشير لم يكن يقصد الهزيمة لكنه يسأل عن إهماله في إدارة الجيش والمعركة.

       أما الادعاء بأن النظام السياسي والاجتماعي والفكري في البلد جعل الهزيمة حتمية يجعل من الضروري طرح هذا السؤال "لماذا لم يغير قادة البلد النظام السياسي والاجتماعي والفكري للبلد لكي ينتصروا"؟ الم يغيروا فكر الناس من رأسمالي إلى اشتراكي؟ أليس هم الذين قرروا أن يعتمدوا على أهل الثقة وإن كانوا جهلاء بدلا من أهل الخبرة وإن كانوا أوفياء.

       في النهاية الهزيمة مسئولية القادة وحدهم ولا يجب أن يلام الشعب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عما حدث. هل يُنتظر أن يقوم عوف بياع البليلة مثلاً بتغير أفكار الناس ورسم إستراتجية حربيه لتحرير فلسطين؟ أم يُنتظر أن تقوم سنيه الخبازة برسم خطة للتصنيع و التحديث.

       ألسيد القاضي القادة يفعلون ما يريدون دون مشورة الشعب وعندما ينهزمون يقولون انهزمنا لأن الشعب جاهل. فلا أدرى والله من هو الجاهل؟ في الانتصارات يرجعون كل الفضل لعبقريتهم أما الهزيمة يلصقونها بالشعب. أنا مازلت أتهم القيادة العسكرية بالمسئولية عن الهزيمة. وشكراً لسعه صدر المحكمة.

القاضي : محامية الدفاع، مرافعتك الختامية.

المحامية: السيد القاضي القضية هي من المسئول عن هزيمة 67؟ لكي نجيب إجابة صحيحة عن هذا السؤال لابد أن تحدد جميع العوامل التي أدت إلى الهزيمة. هناك مسئولية ضمنية على القادة بحكم الموقع. لكن هل كان من الممكن الانتصار على إسرائيل؟ الحقيقة المرة هي أنه حتى ولو لم تقع القيادة العسكرية في الأخطاء التي ذكرها ممثل الادعاء فإن الهزيمة كانت محققة. أنا أريد أن أسأل ممثل الادعاء عن البلد التي لا توجد عندها ديمقراطية وليس لديها أي قدرة على الإبداع ولا حتى في جمع القمامة وولائها للحاكم وهو أسفل أنواع الولاء، هل يمكن أن تحرر فلسطين؟

       ألسيد القاضي. دعني أسال ما هو الإبداع الذي يمكن أن تقدمه هذه البلد؟ أقصى ما يمكن أن تقدمه هو أكلة كرشة و فشة وممبار وكوباية شاي من قهوة الفيشاوي. بلد إبداعها في السقط. بلد لا تستطيع أن تجمع زبالتها هل تعتقد أنها يمكن أن تحرر فلسطين؟

حامد  : السيد القاضي إنا أرفض الأسلوب الرخيص الذي تستعمله الآنسة دروع لإهانة هذا البلد الذي جعل منها محامية عالمية وأرفض إستغلال معانات الشعب و السخرية منه. هذا الشعب فضله على العالم كله فنحن أرباب الحضارات ومصر ستظل هي مصر بالرغم عن أنف الحاقدين. مصر هي أم الدنيا.

المحامية: القضية مش إن مصر أم الدنيا ولا بنت عم الآخرة. القضية هي إحنا إنهارده مين. كلامك يا حامد بنسميه الهجص الاسترالي. أيوه! كنا مهد الحضارات لكن دلوقتي إحنا مين. كل الشعوب كانت في يوم من الأيام مهد حضارة: الروم، اليونان، الهنود، الصينيين، البابليين، العرب، الفينيقيين، التونسيين، الفرنسيين، الإنجليز، الألمان، كلهم شاركوا في صنع الحضارة الإنسانية. كل الشعوب كانوا مهد حضارة في وقت من الأوقات.

المحامية : يا سيادة القاضي لكي أوضح هذه النقطه دعني أسأل السيد فتحي سؤال.

القاضي  : إتقضلي.

المحامية : يا فتحي لو جه لك سائح لمصر عشان توريه أحسن ما في مصر هتوريه ايه؟

فتحي  : (معتدلاً في جلسته وكأنه خبير يرد على سؤال عويص) أخده الأهرام وابو الهول و القلعة والمتحف. وبعدين أوريه حي المسكي وخان الخليلي وبعدين نختم بأكلة فشة و كرشة و ممبار في مسمط في الحسين ونحبس بعد كده بكباية شاي من قهوة الفيشاوي. في ولد قهوجي في الفيشاوي عليه تشعيرة شاي ما حصلتش.

المحامية:  وأنت يا د. يحي لما رحت أمريكا الأمريكان زوروك إيه؟

يحي   : زرنا متحف العلوم والتكنولوجية، قاعدة كندي الفضائية، مصانع البوينج للطيران.  وشفنا ناطحات السحاب وديزني لاند.

المحامية:  السيد القاضي كل بلد بتعرض أحسن إبداعاتها للزوار. أمريكا بتورى إبداعها الصناعي والعلمي. أما مصر ففخوره بآثار الماضي أما في الحاضر فلا تستطيع أن تقدم أكثر من أكلة كوارع و كباية شاي.

عويس : مش يمكن مصر عندها صناعات أحسن من أمريكا بس مش راضيين يعَرفوا حد عشان الحاقدين.

القاضي: عويس يا بركه روح شوف في حد بينده عليك بره.

-                      فهم عويس ما يقصد القاضي فسكت.

يحي   : أنا أوفق الآنسة دروع على تحليلها. لكن من المكن لمصر أنها تكون زى أمريكا في المستقبل.

المحامية: شغل الاحتمالات ده لا يودي ولا يجيب، طالما مصر ما بدأتش على الطريق السليم. على كلٍ بسيطة، ممكن نعرف إن كانت مصر هتكون زى أمريكا ولا لأ.

يحي   : إزاي؟

المحامية : القاضي نستاويل من الملائكة وربنا بيطلع ملائكته على جزء من الغيب. خلينا نسأله.

القاضي  :اسألي.

المحامية:  الزبالة في القاهرة بتتراكم كل يوم. هل هيجي يوم ولو بعد 35 سنة هتقدر مصر تتخلص من زبالتها؟ 

القاضي : (صمت القاضي قليلاً ثم قال) الله أعلم وأنتم لا تعلمون.

المحامية: والله أنا خايفه لنضطر نجيب خبراء من بره يشيلوا الزبالة.

حامد  : لا داعي للإشاعات المغرضة يا آنسة.

المحامية: نسأل نستاويل. بعد 35 سنة من عام 67 هل سنستعين بخبراء أجانب لجمع الزبالة؟

القاضي : "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم."

المحامية: يا سيادة القاضي ردك هو أبلغ رد. وشكرا لسعة صدر المحكمة.

القاضي  : في حد عاوز يضيف حاجة؟

الجميع : لأ

القاضي : المحكمة تتفق مع المحامية على أنه لا يمكن لبلد ليس لديها أبداع حقيقي أن تنتصر. وتتفق مع د. يحي على أن القادة العسكريين للجيش المصري هم المسئولون الأوائل عن الهزيمة بحكم موقعهم القيادي ولا يمكن تبرير فشلهم على الإطلاق لأن الهزيمة كانت نتيجة مباشرة لإهمالهم واستهتارهم. لكن تحديد درجة المسئولية ليس من اختصاص هذه المحكمة لكنها تخص المحاكم المصرية. وعليه تقبل الدعوى شكلاً وترفض موضوعاً لعدم الاختصاص. رفعت الجلسة.

ألحاجب : محكمة.

يقف الجميع ويخرج نستاويل من باب المحكمة وتغلق الستار.

...... نهاية المشهد الثاني من الفصل الثالث ........

 
   

  © 2003 Ibrahim Abdel-Motaleb


 

 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY