تصرخ
أمي فيّ: لن
تفهمي. لن
تفهمي حتى
تصبحي في سني
وتشعري بما
أشعر
اشرد
وأراني بعد 20
سنة من الآن...
لن
تختلف
خطواتي
كثيراً:
خطوات واسعة
وسريعة
نسبياً. لن
تختلف نظرتي
كثيراً: أسير
ناظرة
للأمام،
انظر للعالم
في عيونه،
أرى ولا أرى،
وعلى شفتي
ابتسامة
شاردة، وفي
رأسي
ادندن
بأغنية.
دائماً هنالك
أغنية.
وغالباً ما
تكون لفيروز.
تحكي فيروز
قصصي
... كلها.
لن
يتغير نظام
يومي كثيراً.
استيقظ مبكرة.
اشرب قهوتي
وأقرأ شيئاً
أو
اتفقد
بريدي
الإلكتروني.
أسقي نباتاتي
الصغيرة
وأطعم القط.
اغسل أو انشر
أو اجمع
الغسيل.
أفعل نفس
الأشياء ولكن
ببطء وتأني.
ليس هناك
حاجة للهرولة.
سأحرص
على
ان
يبقى شعري
بنفس اللون.
بني غامق.
أقصه فتنهرني
سامية وتقول
ان الشعر
القصير
يجعلني
أبدو أكبر من
سني. اضحك
وأقصه أقصر
بعدها
بأسبوعين.
أمر
على خالتي.
طبخت
بطة وكالعادة
لا أحد يأكل
البط غيري
وغيرها.
تشتكي من ضعف
سمعها واشتكي
من ضعف
سمعي.
تقول خالتي
انني دائماً
ومازلت أعيش
على "شواشي
الدُرَة": لا
اتوقف عند
كثير
من
الأشياء، ولا
اهتم بالكثير
مما يهتم به
من حولي، ولا
أعلّق على
الأحداث في
حينها.
وتلومني
خالتي دائماً
لأني لا
اتذكر أسماء
أحفاد أحفاد
أولاد خالاتي.
أقر
بخطئي
واتعلل
بذاكرتي التي
تسوء مع
الوقت (ولكن
لا اعترف لها
أنني لم أعد
أعرف من
هم
الأحفاد من
الأولاد:
كلهم يشبهون
بعضهم البعض،
وكلهم نسخ
جديدة أو
قديمة من
أهاليهم
وأولادهم).
يتصل
بي صديق
طفولتي لأحضر
و"اتصرف" مع
ابنه. أحب
ابنه
كثيراً.
يكتب ويكتب
ويكتب، شعراً
رقيقاً
لا
يريه لأحد. لا
اذكر ما الذي
فعلته
لأكسب
ثقته ولكنه
قرر يوماً ان
يريني أشعاره
ومن يومها
وأنا من أكبر
معجباته.
أعرف
من
الأشعار انه
يحب. أراه في
الشارع يوماً
معها فأسقط
نظارتي
وانحني أبحث
عنها تحت
السيارات
حتى يمر هو
وهي بدون
إزعاج. يعترض
أبوه على
قراءاته التي
لا تنقطع
ويرى ان
"مستقبله
هيضيع" إذا
استمر يعيش
بين صفحات
الكتب أكثر
مما يعيش
فعلاً. انتحي
بالولد
جانباً
وأقول له انه
بإمكانه أن
يأتي بكتبه
ومذاكرته
ويقرأ ويذاكر
كما يريد في
مكتبي.
أنا أفهم وهو
يفهم، فمجال
دراستنا واحد.
نبتسم وأخرج
فأقول لوالده
ان الولد
لا
يستطيع
التركيز في
المنزل ولذلك
سيذاكر في
مكتبي. يرفع
صديقي حاجب
واحد
مستنكراً،
ثم يفهم
فيبتسم: "ماشي
يا رحاب"
تتصل
سارة لتبلغني
ان أحد
كتابنا
المحبوبين
قد توفى. تقول
بحسرة: حتى ده
يا رحاب بقى
من الكلاسيك"
ويوم
الجمعة
أشعل
البخور واخرج
البطاطين في
الشمس وأجلس
هكذا لبعض
الوقت أشبع
ساقي بالدفء
وأراقب
ذرات التراب
وهي تسبح في
شعاع الشمس.
اتذكر بيت
جدتي الذي
وُلدّت فيه.
أقرأ
لها
الفاتحة.
انزل مع أمي
لنتغدى سوياً
ونذهب
للسينما
كعادتنا كل
جمعة. اليوم
أنا
التي
سأختار
المكان
فأختار
الكوربة. أحب
الكوربة في
الصباح
المبكر.
أحبها عندما
تبدأ
الدكاكين في
الاستيقاظ .
أحب رائحة
الخبز الساخن
من مخبز
فينوس. أحب
انسياب
نور
الشمس بين
البواكي. أحس
ان الشمس
تلعب معي
استغماية:
الآن أراها،
الآن لا
أراها.
استيقظ فأجد
أمي مستيقظة.
هذا هو الوضع
منذ أن كنت
طفلة، فأمي
تستيقظ مبكرة
جداً.
كانت تقول لي
أنني كلما
تقدمت في
السن سيقل
نومي. ولكن
كلما قل نومي
قل نومها
هي
أيضاً، فيظل
بيننا هذا
الحوار
الأبدي الذي
يدور حول
لماذا أنا
صامتة هكذا
في
الصباح
ولماذا
تتناول هي
الغذاء في
الثانية عشرة
ظهراً.
يعجبنا
الفيلم
ونتناقش فيه
طوال
اليوم ونختلف
على رؤيتنا
له وتقول إني
لم أفهم
الفيلم وأقول
انها ستتفهم
وجهة
نظري
بعد 6 أشهر.
يعجب أمي
فستان لا
يعجبني.
تسألني لماذا
لا يعجبني
فأقول
أسبابي،
فتتمسك
به أكثر
وتسرد كل
فضائله. أقول
لها انه
سيجعلها تبدو
أكبر سناً
فتتراجع عن
اختيارها.
امشي بسرعة
فتمشي أمي
ببطء، ابطيء
من خطوتي
فتسرع أمي:
فروق توقيتنا
هي
قصة
حياتنا.
في
المساء أطفيء
كل الأنوار
واتلذذ
بالظلام
والصمت. من
بعيد أسمع
أصوات
أطفال يلعبون
في الشارع. لا
أستطيع تمييز
كلامهم ولكني
أعرفه: عشرة
عشرين
تلاتين
أربعين خمسين
ستين سبعين
تمانين تسعين
ميه، نطوا
علينا
الحرامية،
سرقوا
الفول
والطعمية...
خلاويص؟
لسه!
خلاويص؟؟
لسه!!!
خلاويص؟؟!!
خلاص.
رحاب
بسام
القاهرة
في 19 ديسمبر 2004