كيف
يمكن للثقافة
في مصر أن
تسترد
عافيتها؟ هذا
هو السؤال
المحوري لهذه
المقالات.
يمكن أن يجاب
على هذا
السؤال بجواب
سهل سطحي بأن
نقول لو كان
سبب تدهور
الثقافة هو
عدم التفاعل
مع الثقافات
الأخرى، إذن
لكي تزدهر
الثقافة يجب
التفاعل مع
الثقافات
الأخرى. ولو
كان سبب تدهور
الثقافة هو
غياب الحريات
فلازدهارها
يجب إطلاق
الحريات. هذه
الطريقة في
التحليل هي
طريقة
تبسيطية وفي
الغالب و لا
تؤدي إلى
النتيجة
المرجوة.
السبب في ذلك
أن انهيار
نظام لا يتطلب
سوى فشل عامل
واحد فقط، أما
نجاح أي نظام
يتطلب توافر
جميع عوامل
النجاح. لذلك
ضمان تصحيح
عامل واحد أو
اثنان لا يعنى
النجاح
الكامل.
نعم
الإصلاح
يتطلب تصحيح
الأخطاء التي
حدثت في
الماضي ولكن
هذا لا يضمن
أنه لا توجد
عوامل تحلل
أخري ظهرت مع
الزمن. لذلك
لضمان ازدهار
الثقافة يجب
أن ننظر إلي
الأمور
بطريقة
تحليلية. إن
كنا نعلم أن
ازدهار أي أمة
مرتبط
بقدرتها على
الإبداع،
فلكي تسترد
مصر ازدهارها
الثقافي لابد
أن يكون لديها
القدرة على
الإبداع. لكن
كيف يبدع
الناس؟ لو
عرفنا الجواب
على هذا
السؤال
لعرفنا كيف
يمكن للثقافة
أن تزدهر في
مصر مرة أخرى.
يبدع
الإنسان إذا
توفرت ثلاثة
عناصر:
الموهبة
الطبيعية؛
توفر الوسيلة
والإمكانيات
والوقت
لتنمية
الموهبة؛
وثالثا وجود
الحافز
للإبداع. بعد
حدوث الإبداع
يجب أن تتوفر
الوسائل
لإظهار
الإبداع و إلا
لدفن العمل
ولم يستفاد
منه.
بالنسبة
للمواهب
الإبداعية،
هي موجودة
بنفس النسبة
في جميع
الفئات سواء
كانت فقيرة أو
متوسطة أو
غنية.
فالمواهب
ليست حكراً
على فئة أو
طائفة بعينها.
أما الوسيلة
لتنمية
الموهبة
فإحداها
مجانية
التعليم التي
توفرها
الحكومة لكل
الفئات وإن
كانت الطبقة
الغنية
تستطيع أن
تحصل على
تعليم أفضل.
أما
الإمكانيات
المادية
ألازمة
لتنمية
الموهبة بعد
الدراسة
الرسمية فلا
يقدر عليها
إلا الطبقة
المتوسطة
والغنية.
فالطبقة
الفقيرة
مطحونة في
توفير لقمة
العيش. أما
الوقت اللازم
لنضوج
الإبداع
فمتوفر
للطبقة
المتوسطة فقط.
فالطبقة
الفقيرة
مشغولة
بتوفير لقمة
العيش، كما
ذكرنا،
والطبقة
الغنية
مشغولة
بزيادة
ثروتها التي
هي أجدى لهما
مادياً من
الانشغال
بالثقافة
والإبداع.
الحافز
للإبداع يمكن
أن يكون إشباع
رغبة ذاتية،
لكن حقيقة أن
الإبداع يمكن
أن يكون طريق
لتحسين
المستوى
المالي و
الاجتماعي
والطبقي يمثل
حافز قوي جداً
للتضحية
لإخراج
الأعمال
الإبداعية.
هذا الحافز
موجود عند
الطبقة
الفقيرة
والمتوسطة،
لكن كما
أوضحنا من
قبل، الطبقة
الفقيرة ليس
لديها لا
الوقت ولا
المال لتنمية
الإبداع
وإخراجه. أما
الطبقة
المتوسطة فهي
التي في
الغالب لديها
الوقت
والإمكانيات
والحافز لكي
تبدع. لذلك
نجد أن معظم
الإبداع يأتي
من الطبقة
المتوسطة.
لكن
كيف نقول أن
الطبقة
المتوسطة هي
التي تبدع في
حين أننا نعلم
أن هناك عدد من
المبدعين
كانوا من
أبناء الطبقة
الفقيرة و
الطبقة
الغنية.
الجواب على
ذلك أنه كان في
الماضي عندما
يتعلم أبناء
الطبقة
الفقيرة
فإنهم في
الغالب
ينتقلون إلى
الطبقة
المتوسطة
ويجري عليهم
ما يجري على
باقي الطبقة
المتوسطة.
فالإبداع
يحدث في
الغالب عندما
ينتقل الفرد
إلى الطبقة
المتوسطة. أما
الأغنياء
ففيهم مبدعين
مثل الممثل
سليمان نجيب.
هؤلاء هم
الاستثناء
وليسوا
القاعدة
ولذلك دائما
يذكر أنهم
تركوا حياة
الرفاهية
والعز وعاشوا
عيشة الكفاح
وهذا يضعهم في
مصاف العباد
للمهنة. نحن لا
ننكر أن
الطبقة
الفقيرة
والغنية
تبدعان ولكن
نتيجة لعدم
توفر
الإمكانيات
أو الوقت أو
الحافز فإن
إبداعهم قليل
بالنسبة
لإبداع
الطبقة
المتوسطة.
الدليل
على ما قلناه
آنفا أن أي
مجتمع يتكون
كله أو
غالبيته من
الطبقة
الثرية لا
يقدر على
الإبداع. خذ
مثلاً بعض
المجتمعات
البترولية
التي وجدت
نفسها في حالة
ثراء شديد بين
عشية وضحاها.
ألخدمات
مجانية،
هبات الزواج
من فيلات
وسيارات توزع
بلا حساب،
ديون الأفراد
تسدد من أموال
الدولة. هذا
بالإضافة إلي
وجود مشاريع
وأعمال
تجارية تدر
أرباح طائلة
لمن أراد أن
يعمل. لكن
بالرغم من ذلك
لم تستطيع هذه
المجتمعات أن
تنمي بلدها،
ناهيك عن
قدرتها على
الإبداع. لذلك
قامت هذه
الدول
باستيراد
طبقة متوسطة
من الخارج،
من مصر
وسوريا
ولبنان غيرهم
من البلدان،
لكي يقوموا
بأعمال
التنمية.
في بعض
الأحيان وصل
تعداد الطبقة
المستوردة
أكثر من ضعف
أهل البلد،
كما هو الحال
في الكويت و
قطر والبحرين. فلو
كانت الطبقة
الثرية
تستطيع أن
تبدع وحدها
لما احتاجت
هذه الدول إلي
استيراد طبقة
متوسطة من
الخارج.
كذلك
أي مجتمع مكون
من فقراء يفقد
القدرة على
الإنتاج وليس
فقط الإبداع.
مثال ذلك
الصومال و كل
المجتمعات
الفقيرة.
للأسف فقر
الصومال لم
يمكنها من
استيراد طبقة
متوسطة من
الخارج كما
فعلت بعض دول
الخليج لذلك
فإنهم في
الصومال
يعيشون عيشة
ضنكاً و لا
يوجد لديهم
بريق أمل إلا
إذا تغيرت
ظروفهم.
حتى
الدول
ألأوربية لم
تصل إلى هذه
الدرجة من
الإبداع إلا
بعد أن كبر حجم
الطبقة
المتوسطة
حينما بدأت في
القرن التاسع
عشر عملية
التصنيع وانتشر
التعليم
المجاني
وبدأت
المنظمات
العمالية
تحارب لزيادة
الأجور. عندها
انتقل كثير من
المنتمين إلي
الطبقات
الفقيرة إلى
الطبقة
المتوسطة. يكفي
أيضاً أن تقرأ
السيرة
الذاتية
للمبدعين في
الغرب لتعلم
أن معظمهم
بداياتهم
كانت بدايات
متواضعة ولكن
كان لديهم
الوسائل
والوقت
والحافز لكي
يبدعون
فأبدعوا.
في
احدي
المؤتمرات
الثقافية
التي عقدت هذا
العام في إحدى
دول الخليج
خرج أحد
الكتاب من
الإمارات
بنظرية
مفادها أن
المدينة لا
تبدع وأن
القرية هي
التي تبدع. ثار
عليه بعض
الحاضرين من
الكتاب
واتهموا قوله
بأنه "زبالة"
وأن مبدعين
مثل العقاد
وطه حسين
كانوا يسكنون
المدينة. رد
عليهم هذا
المفكر بأن طه
حسين والعقاد
هم أصلاً من
القرية ولذلك
أبدعوا وإن
كانوا سكنوا
المدينة بعد
ذلك فهم
محسوبين على
القرية.
القول
بأن المدينة
لا تبدع فيه
مبالغة كبيرة.
المدينة أيضا
تبدع، يكفي أن
تعلم أن نجيب
محفوظ من
المدينة
وكذلك كثير من
المبدعين
أمثال أحمد
رامي وأحمد
شوقي. لكن كان
الأجدى أن
نقول أن
الطبقة
المتوسطة هي
التي تبدع
أكثر من غيرها
سواء كان
المبدع من
القرية أو
المدينة.
فمعظم مبدعي
مصر هم من
الطبقة
المتوسطة.
إن
كان المجتمع
الذي يتكون من
الطبقة
الثرية فقط لا
يبدع والذي
يتكون من
الطبقة
الفقيرة فقط
لا يبدع، كذلك
المجتمع الذي
يتكون من
هاتين
الطبقتين فقط
هو أيضاً لا
يبدع. وهذا حال
مصر حيث تآكلت
الطبقة
المتوسطة.
لكن
كيف نُعَرِف
الطبقة
المتوسطة حتى
نعرف إن كانت
قد تآكلت أم لا؟
الطبقات تحدد
في العادة
بتحديد مستوى
الدخل الفاصل
بين الطبقات
مثل خط الفقر،
لكن لخدمة هذا
المقال يمكن
تعريف الفقير
بأنه الشخص
الذي لا
يستطيع أن
يسد، أو
بالكاد يسد،
حاجياته
الأساسية
بدون أن يكون
لديه فائض
للإنفاق على
الترفيه أو
الهوايات
الخاصة. أما
الطبقة
المتوسطة فإن
أفرادها
لديهم دخل من
العمل اليومي (أربعين
ساعة أسبوعيا)
يمكنهم منه سد
احتياجاتهم
واحتياجات
عائلاتهم
ويبقي ما يكفي
للترفيه
والهوايات
الخاصة. أما
الثري هو من
يملك من المال
ووسائل
الحصول عليه
بما يكفيه
وعائلته
لتلبية جميع
احتياجاتهم
الأساسية
والترفيهية
بما يتيح لهم
الإنفاق على
ما تشتهي
أنفسهم بدون
خوف من الفقر
حتى في
المستقبل
البعيد.
ألطبقة
المتوسطة هي
في الغالب
الطبقة
المتعلمة في
البلد من
مهنيين
وموظفين، هذا
بالإضافة إلي
صغار التجار.
الدليل الأول
على تلاشي هذه
الطبقة هو أنه
لو نظرنا لهذه
الطبقة في
الوقت الحاضر
لوجدنا أن
دخلها لا يكفي
احتياجاتها
الأساسية.
يكفي أن تعلم
أن نقيب
الأطباء قد
طالب منذ سنة
أو اثنين أن
يكون مرتب
الطبيب على
الأقل 500 جنيه
شهرياً. الآن
وصل سعر كيلو
الجمبري إلي 200-250
جنيه. أي أن
مرتب الطبيب
في هذه الحالة
لا يزيد عن 2
كيلو جمبري.
مرتب باقي
الفئات لن
تكون أكثر، إن
لم تكن أقل.
الطبيب في
الغالب يوضع
في أعلى
الطبقة
المتوسطة،
فإن كان مرتبه
الشهري هو 2
كيلوا جمبري
فما بال مرتب
باقي هذه
الطبقة. نعم،
بعض الأطباء
لديهم عيادات
ويربحون
كثيراً، لكن
ليس كل فرد من
الطبقة
المتوسطة
يستطيع فتح
عيادة أو
مكتب،
فالغالبية
العظمي
يعتمدون على
مرتباتهم.
الدليل
الثاني على
تلاشي الطبقة
المتوسطة في
مصر هو فتوى
كثير من علماء
الدين أن
الزكاة تجوز
على الموظفين
وهذا يعني أن
هذه الطبقة
التي كانت
متوسطة من قبل
قد انحدرت إلى
الطبقة
الفقيرة
وأصبحت تستحق
الصدقة. في نفس
الوقت تجد من
يتبرع
بالملايين أو
ينفق
الملايين على
حفلات أعياد
الميلاد. هذا
يؤكد أنه يوجد
الآن طبقتان
في مصر ثرية
ثراء فاحش
وفقيرة فقر
مدقع ومجتمع
مثل ذلك هو
مجتمع عقيم لا
يستطيع
الإبداع.
ربما
اعترض معترض
بأنه وإن كان
مرتب الطبيب
هو 2 كيلو
جمبري، لكن
هناك من هو
مرتبه 10 أو 20
كيلو جمبري في
الشهر، أليس
هؤلاء من
الطبقة
المتوسطة؟
الجواب أنه
ربما هذا صحيح لكن
أعدادهم
قليلة
وبالتالي
تأثيرهم في
الإبداع قليل.
نحن نحتاج إلى
طبقة متوسطة
تظم غالبية
الشعب لكن
تنهض الأمة
مرة أخرى. بدون
ذلك ستدخل مصر
في عصر من
التخلف الذي
سيقضي على
مكانتها. في
هذه الحالة لن
ينفعنا القول
بأن "مصر هي
قلب الأمة
العربية" أو
أنها "دولة
محورية".
والآن،
كيف تستعيد
مصر ريادتها
الثقافية.
الجواب واضح
هو أن يزاد حجم
الطبقة
المتوسطة. لأن
هذه الطبقة
كادت أن
تتلاشى
نهائياً في
مصر، فإني أرى
أن مصر في حالة
احتضار وتحلل
على الصعيد
السياسي
والاقتصادي
والثقافي
نتيجة لذلك.
ظهور بعض
الأعمال
الجيدة لن يحل
المشكلة. فنحن
نعلم أنه حتى
في حالات
التدهور تظهر
بعض الأعمال
الجيدة ولكن
هذه الأعمال
لا تكفي.
الوحيد
القادر على
إنقاذ الطبقة
المتوسطه هي
الحكومة
المصرية
صاحبة القرار
في مصر.
الإنقاذ
يتطلب إصلاح
سياسي
واقتصادي
واجتماعي
وتعليمي، فهل
ستتمكن
الحكومة من
ذلك؟ كل
الدلائل تشير
أن الحكومة
تسير في
الاتجاه
الخطأ وأنها
لن تتمكن من حل
المشكلة.
أما
علي مستوى
أسرة مجلة
اليوميات
المصرية
فيمكننا أن
نفعل شيئاً
لتشجيع بعض
المواهب التي
لا تستطيع
اختراق حاجز
المحسوبية
والفساد في
مصر. هذه مهمة
محرري المجلة.
أولا يجب
تحديد هدف
المجلة
ودورها في
تطوير
الثقافة.
ثانياً يجب أن تحدد
الوسائل التي
بها يمكن
تحقيق هذه
الأهداف.
ثالثاً يجب
تحديد
ميكانيكية
يمكن بها
تقييم النجاح
في المهمة (Assessment). رابعاً
يجب أن يكون
هناك وسيلة
لتطوير
المجلة مع
الزمن تبعاً
لما تفصح عنه
عملية
التقييم.
في رأيي هذه
أمور غاية في
الأهمية
ويمكن
تحقيقها
خصوصا وأن
المجلة بدأت
تنجح نجاح
باهراً
واجتذبت قطاع
كبير من
القراء في مصر
والعالم. فهل
يا تري تتفق
معي في هذه
الرؤية؟
|