في المقالات السابقة أوضحنا أن هناك شبه إجماع على وجود تدهور ثقافي كبير في مصر. و السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هي مظاهر الضعف في ثقافتنا؟ وكيف يمكن للثقافة استرداد عافيتها؟

قبل بداية النهضة المصرية، أي قبل عصر محمد علي، كانت الثقافة في مصر في أدني درجات ضعفها، أي أننا كنا في حالة تدهور ثقافي واضح. الدارس لثقافة ذلك الوقت سيجد أن الأدب كان يغلب عليه سمات تدهور عامة. سمات التدهور هذه تجلت في المبالغة في استخدام المحسنات البديعية، مثل المبالغة و السجع والإطناب. أي كان جل الاهتمام يتركز على الشكل دون المضمون. ومن هنا كانت ركاكة التعبير وتفاهة المواضيع هي السمة الغالبة لأدب وفنون هذا العصر. استمرت هذه الحالة حتى بدأ البارودي في إرجاع الشعر إلى جزالته المعهودة في القرن التاسع عشر وتبعه كثير من الأدباء والشعراء.

بروز ظاهرة الاهتمام بالمظهر دون الجوهر في أوقات الهبوط الفكري تبدوا منطقية، لأنه في حالة التدهور الثقافي يكون المخزون الثقافي للكاتب أو الفنان ضحلاً فلا يستطيع أن يتعرض للب الموضوع أو جوهره، لذلك لا يبقى له إلا الشكل فيغير فيه حتى يبدوا وكأنه قد أتى بجديد. أي أن حالة التدهور تؤدي إلى عدم القدرة على التجديد في الموضوع وبالتالي اللجوء إلي التغيير في الشكل فقط. من هنا نستطيع أن نقول أن الاهتمام بالمظهر دون الجوهر في الثقافة هو أهم تجليات التدهور الثقافي.

في الثمانينيات من القرن العشرين وصلت الفنون والآداب إلي هذه المرحلة ولكن بطرق مختلفة على حسب نوع الفن. فمثلاً، في التمثيل وجدنا محاولات للتغيير في الشكل و ذلك بالمبالغة في التقبيح الذي ذكرناه في الحلقات السابقة، وإن كان يسمي من بعض النقاد بالواقعية. كذلك كثر الاعتماد على النكت التي ليس لها علاقة بالموضوع و تم إدخال مشاهد رقص لا تمت للموضوع بصلة. كل هذه التغيرات تمس الشكل ولا تؤثر في الجوهر. لذلك خرجت كثير من الأعمال بمستوى متواضع.  

أما القصص، وخاصة التي تحولت إلي أفلام أو تمثيليات، فأصبحت مجرد حكايات ليس فيها إبداع الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. بعض هذه القصص من عينة "بِليّة ودماغه العالية" التي تحتوي علي كثير من التفاهة والسذاجة. أو أن تكون مواضيع مكررة ومستهلكة مثل البنت الغنية التي تتزوج فقير أو الفقيرة التي تتزوج غني. أو مواضيع تاريخية تحكي عن أمور حدثت بالفعل في ماضي كان مليء بالإبداع الذي افتقدناه.

تتجلى صورة التدهور في الأعلام أكثر من غيره. فمثلاً،  بمقارنة القناة المصرية الفضائية بقناة الجزيرة أو الفضائية اللبنانية تستطيع أن تلاحظ المستوى المتدني الذي وصل إليه الإعلام في مصر. هذا التدهور يبدو واضحاً ليس فقط في الموضوع ولكن في الشكل أيضاً. انظر إلي ملابس المذيعين والمذيعات المصريات تجد عدم التناسق والافتقار إلى اللمسات الجمالية وخاصة في حالة مذيعي الأخبار.  قارن الديكور في الاستوديوهات، تجد أنه في غالب الأحيان ألألوان صارخة و مزدحمة وغير متناسقة. أما ألأخبار فمعظمها أخبار غير هامة وهي في العموم عن الرئيس والوزراء ومن اتصل بهم ومن قابلهم. والأكثر سخرية هو ذكر كلمات مجاملة لمسئولين من دول أجنبية للرئيس وكأنها أخبار مثل:"قال الوزير الفلاني أن رأي رئيس مصر مهم". أو "العالم يحتاج إلي خيرة رئيس مصر." أو "نحن نتشاور دائما مع رئيس مصر". أما ألأخبار فهي من وكالات الأنباء العالمية تجدها على أي موقع على الشبكة الإلكترونية.

أما التحليلات فحدث ولا حرج، فمعظمها أحاديث مستهلكة أما تعبير عن الرأي الرسمي الذي لا قيمة له أو مأخوذة من مصادر أخرى. إما البرامج الإخبارية فهي مهزلة. تجد المضيف يسأل الضيف السؤال ويجيب هو عليه فلا يجد الضيف ما يقول. أو أن يسأل المذيع الضيف عن رأيه ثم يلمح إلي الجواب الذي يجب أن يقال، أو أن يطرح موضوع ولا ينتظر رأي الضيوف فيحدد نتيجة النقاش قبل أن ينتهي.

كنت في الماضي أستعجب، كيف يعرف المذيع إجابة الضيف قبل أن يسمعها منه؟ ولكني عرفت الحقيقة عندما دعيت للتحدث في برنامج على الفضائية المصرية. اكتشفت أنه قبل البرنامج يتصل المذيع بالضيف ويطلب من الضيف أن يقترح بعض الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المذيع في البرنامج ويجيب عليها. يكتب المذيع الأسئلة وإجاباتها وأثناء البرنامج يطرح الأسئلة ويجيب عليها فلا يجد الضيف ما يضيفه. بذلك تخرج هذه البرامج هزيلة تافهة. لذلك تجد الإعلام في مصر غير قادر على الإبداع لا في الجوهر ولا حتى في المظهر.

أما الأغنية فهناك إجماع على تدهورها من ناحية الموضوع والكلمات واللحن. تصور الناس أن استخدم الفيديو كليب يمكن أن يضفي جديداً على الأغنية، ولكن خاب ظنهم. إن استخدام الفيديو كليب ما هي إلا محاولة فاشلة لتغيير الشكل حتى تغطي على تدهور الكلمات واللحن والصوت.  ولذلك ظهرت أعمال فيديو كليب حيث لا يوجد رابط فيها بين الكلمات والمشاهد التي في الفيديو. بذلك نكون قد فشلنا ليس فقط في تطوير الموضوع ولكن أيضاً في تطوير الشكل.

أما الشعر المقفى فيبدوا أنه انقرض وظهر مكانه الشعر الحديث الذي لا يلتزم لا بالبحور ولا بالقوافي وأصبح كأنه نثر مكتوب بطريقة أفقية كما في اللغة الصينية أو اليابانية.  ومن هنا فقد الشعر أهم شيء فيه وهو عرض فكرة في قالب محكوم ببحر وقافية وهذا هو الجمال في الشعر. لذلك أصبح الشعر الحديث لا لون ولا طعم له ولا رائحة.  ولكي يبهر الشعراء الناس لجأ بعضهم إلي بعض الإبهام في الشعر فتجد الشعر لا هو نثر يعطيك التفاصيل ولا هو شعر يعطيك الفكرة مركزة في قالب جميل.

هذا الإبهام ذكرني بشيوخ الأزهر في العشرينات من القرن الماضي حيث أنهم كانوا يلجئون إلي التصعيب و الإبهام حتى يوهموا الطلبة بأهمية ما يدرسونه وأنه لا يعرفه إلا الراسخين في العلم. وهذا ما دفع الدكتور طه حسين إلى الدراسة في الجامعة الأهلية.

أما الزجل فهو فليس أحسن حالاً من الشعر. نعم لازال هناك بعض الزجالين مثل الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وإن كان هؤلاء من الجيل القديم ولا يحسبون على الجيل الحديث. نعم بعض الزجل المكتوب من بعض الهواة جيد جداً. بعضه قرأته في مجلة اليوميات المصرية ولكن كحالة عامة تحول الزجل إلى نواح وعويل وبكاء على حالتنا الحاضرة وعدم قدرتنا على فعل شيء. زجل العويل هذا يجعلك تحس أنك في مأتم وأنك تسمع إلى المعددات اللاتي يستأجرن في المآتم. هنا أيضا تجد أن الموضوع لا تجديد فيه والتغيير هو في الكلمات التي تستخدم لوصف حالة العجز التي نحن فيها.

هذا لا يعني أنه لا توجد بعض الأعمال الجيدة في كل المجالات، ولكن الغالبية العظمى من الأعمال الفنية والأدبية لا تجد إبداع فيها إلا محاولات للتغير في الشكل بطريقة سطحية.

في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي بدأت محاولات للنهوض بالفن وإن كانت هذه النهضة ليست بالقوة التي تستطيع أن تحدث تغيير جزري. سبب هذا التطور هو ظهور الشبكات ألإلكترونية والفضائيات والتي أحدثت نوع من التفاعل بيننا وبين الثقافات المختلفة وهذا كان له أثر واضح علي استيراد بعض التقنيات. هذا ألأثر تجلى في التمثيليات التي ينتجها التليفزيون المصري في شهر رمضان و ظهور بعض الأفلام الجيدة.

هذا التطور الإيجابي سيكون محدود الأثر لأنه لا يعتمد علي دراسة عميقة وتفاعل قوي للثقافات الأخرى. أثره سيكون مثل الأثر الذي تحدثه الدراسة في الغرب والرجوع إلي البلاد فور الانتهاء من الدراسة. هذا الأثر لا يتعدى معرفة الطالب السطحية للمجتمع الغربي من خلال مشاهدته لما يحدث وليس من خلال المشاركة فيما يحدث. لذلك تجد أن معظم الأساتذة في مصر تخرجوا من الغرب لكن التعليم مازال يتدهور. المشكلة ليست قلة الإمكانيات ولكن قلة المعرفة، و إلا لكان التعليم في دول الخليج أحسن حالاً مصر. كذلك في الفن، ربما استعمال الإنترنت سيؤدي إلي تحسن طفيف في الشكل ولكن ستظل المشكلة قائمة.  إذن كيف تحل المشكلة؟ هذا ما سنناقشه في الحلقة القادمة إنشاء الله.  

 



 

 © 2004 Ibrahim Abdel-Motaleb


 
 
 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY