-2-
  

لماذا تدهورت الثقافة في مصر؟ ولماذا بدا بوادر هذا التدهور في السبعينات و أصبح جلياً في الثمانينات من القرن الماضي؟ للإجابة على هذه الأسئلة يجب أن نعود للماضي، بالتحديد عندما تولي محمد علي الحكم في مصر. أراد محمد علي أن ينشئ إمبراطورية على غرار الإمبراطوريات الأوروبية في ذلك الوقت. أدرك محمد علي أن هذا يستلزم بناء جيش عصري و أن هذا الجيش يحتاج إلى تعلم التكنيك الحربي الحديث و إلى القدرة على إنتاج الأسلحة والذخائر. و حيث أن هذه التقنيات كانت غير موجودة في مصر بدأ محمد علي في إرسال البعثات العلمية إلى أوربا وخاصة فرنسا لتعلم ونقل التقنيات اللازمة لتطوير الجيش.

بالرغم من أن غرض محمد علي الأساسي كان بناء جيش قوي ونقل التقنيات العسكرية، فلقد اهتم أيضاً بالعلوم الإنسانية. أدرك أن هذه العلوم مهمة للجيش وخاصة الترجمة، حتى تترجم الكتب العسكرية إلى العربية و تُدَرّس للجنود المصريين. لذلك كان محمد علي يرسل مع البعثات العسكرية طلبة من الأزهر لدراسة هذه العلوم الفنون وفي بعض الأحيان كمرشدين دينين للبعثات.

نجح محمد علي مبدئيا في تكوين إمبراطورية ضمت مصر والسودان والشام والحجاز وجزء من تركيا. تميزت هذه الفترة بأنها كانت محاولة للتعرف على الحضارة الأوربية ومحاولة فهم أسسها. رجع كثير من المبعوثين إلى الوطن وأنشئوا كثيراً من الهيئات اللازمة لتحديث الدولة في مجالات التعليم والحرب والزراعة والمياه وغيرها.

لم يستطع محمد علي أن يحافظ على الإمبراطورية لأسباب كثيرة منها أنه لم يتسع له الوقت لكي يثبت جذور النهضة العلمية في البلاد حتى يتسنى للنهضة أن تستمر بوقود داخلي وبدون مساعدة من الخارج. لتحقيق ذلك كان محمد محتاجاً إلي جيلين على الأقل: جيل ينقل التقنية وجيل آخر يطورها ويغرس جذورها في البيئة المحلية. لم يعطي القدر محمد علي إلا جيل واحد (حوالي 25- 30 عاماً) بعدها هزم ثم وافته المنية ووئد حلمه في تكوين إمبراطوريته. فرض الغرب على مصر تقليص جيشها ثم أهمل الجيش في عهد الخديوي سعيد وعباس الأول وإسماعيل وتوفيق. لكن بالرغم من هزيمة مصر العسكرية وإضعاف جيشها، استمرت النهضة الثقافية واستمر الاحتكاك بأوربا؛ حيت أن البعثات العلمية لأوربا استمرت بشكل أو بآخر.

خلال الجيل الثاني 1840-1870 بدأت بذور النهضة الثقافية المصرية تنبت وكانت البداية هي تقليد النظام الغربي. كان التقليد في كل شيء، من التعليم إلى العمارة ومن الفنون إلى الثقافة. نجد مثلاً الخديوي إسماعيل قام ببناء الأحياء والميادين على الطريقة الأوربية مثل حي الزمالك والأحياء المجاورة لميدان التحرير. كما قام ببناء دار الأوبرا المصرية و فيها بدأت الفرق الأوربية تعرض عروضها الثقافية والفنية في مصر.

 قام رفاعة رافع الطهطاوي بقيادة النهضة الفكرية والعلمية بعد رجوعه من فرنسا. فوجدنا الشعر يعود إلى جزالته على يد البارودي وبدأت المدارس المقامة على النظام الأوربي تنتشر، وبدأ صحفيين وطنيين مثل عبد الله النديم يكتبون في صحف قومية، وبدأت أفكار الحرية والمساواة والعدل تنتشر، وكان نتاج هذه الأفكار هي ثورة عرابي التي انتهت باحتلال الإنجليز لمصر.

أستمر الاتصال بأوربا أثناء الاحتلال. ففي العقود الثلاثة ألأخيرة من القرن التاسع عشر ظهرت نهضة ثقافية وفكرية وفنية معتمدة علي كل من تراث مصر الثقافي، الممتد لآلاف السنين في التاريخ، والحضارة الأوربية المعاصرة. فوجدنا محمد عبده وقاسم أمين وجمال الدين الأفغاني وسعد زغلول وغيرهم يحملون راية التطوير. كانت هذه الفترة هي فترة المقارنة بين القيم العربية والقيم ألأوربية. كانت فترة تمحيص لقيمنا وأفكارنا، حيث يتم مقارنتها بالقيم الأوربية والدعوة إلي اعتناق الصالح منها ورفض الطالح. كانت هذه الفترة فترة دفاع عن هوية مصر وثقافتها العربية والإسلامية ضد هجمات المستشرقين. كان الرافد الثقافي المعتمد على التراث في نفس قوة الرافد الغربي، لذلك نشأة معارك ثقافية بين التيار المناصر للتغيير الذي تزعمه العائدون من أوربا والتيار التقليدي المحافظ والرافض لعملية التغريب والذي قاده الأزهر.

في النصف ألأول من القرن العشرين (1900-1950) زادت وتيرة التفاعل مع أوربا الغربية مثل فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وألمانيا وبدأ التفاعل مع أدباء المهجر في أمريكا وبدأت تظهر نهضة ثقافية مصرية أصيلة نتيجة للتفاعل بين الحضارة العربية والحضارة ألأوربية. أنتج هذا التفاعل عمالقة في كل الفنون. فظهر في الموسيقي رواد مثل سيد درويش ومحمد عبد الوهاب والقصبجي والسنباطي وداود حسني وغيرهم. وظهر في المسرح رواد مثل يوسف وهبي والريحاني وبديع خيري وعلي الكسار وأمينة رزق. وفي الغناء ظهرت أم كلثوم و عبد الوهاب وأسمهان وآخرين. وفي الأدب القصصي كتبت قصة زينب، أول قصة عربية، وظهر عمالقة الرواية أمثال نجيب محفوظ ويحي حقي وتوفيق الحكيم. وفي الأدب ظهر العقاد وطه حسين والمزني. وفي الشعر كان شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي ورامي. و في النحت كان العملاق محمود مختار. أما الفن السينمائي فقد قام على أعمال كل هؤلاء من كتاب وشعراء وموسيقيين وممثلين. هذه الفترة كانت تتميز بالأصالة والإبداع،  فالأعمال كانت تستمد جذورها من الحضارة العربية ولكنها كانت تروي وتغذي من التراث العالمي.

قامت ثورة يوليو عام 1952 حينما كانت الحياة الثقافية في أوج قوتها. لقد كانت هذه الثورة نتاجا للوعي الذي أوجدته هذه النهضة الثقافية، فلقد كانت نتيجة حتمية لها. عندما قامت الثورة كان التحدي أمامها هو تحويل الدولة من دولة زراعية إلي دولة صناعية، لكي تستطيع أن تنمي البلد وتواجه التحديات الداخلية والخارجية. كما فعل محمد علي قبل ذلك، أوفدت الدولة البعثات لدراسة العلوم والطب والهندسة. أنشأت الدولة جامعات جديدة ووسعت القديمة ونتيجة لزيادة عدد الجامعات زاد عدد الموفدين. لتوفير العملة الصعبة قررت الدولة تقليل أعداد الموفدين في التخصصات غير العلمية و التي اعتبرتها الدولة غير أساسية مثل العلوم الإنسانية والأدب والفن. ساد اعتقاد أن دراسة هذه العلوم داخل مصر كافي وربما كان أفضل وخاصة في الأدب. فمصر هي أم الأدب العربي ولم يكن يتصور أن الموفد سيجد في فرنسا أدبا عربياً أفضل مما هو موجود في مصر. لذلك لم يكن هناك أي إحساس من الدولة أو المثقفين بخطورة هذا القرار، بل كان الاعتقاد السائد أنه قرار صحيح.

بعد عام 1956 توترت علاقة مصر بالغرب واقتربت علاقتها أكثر من الكتلة الشيوعية. لذلك تحولت معظم البعثات العلمية إلي ألاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية. أما المنح الخاصة التي كان يحصل عليها الطلاب من الدول ألأوربية والأمريكية فكانت تنتهي بهجرة الطالب بعد التخرج إلي الدول الغربية.

كان المتوقع أن يؤدي إيفاد البعثات العلمية إلي دول الكتلة الشرقية إلى بعض التأثير الإيجابي، على الأقل بسبب الاحتكاك بهذه الشعوب. لكن ذلك لم يحدث لانعدام الحرية الفكرية ولكون الثقافة في هذه الدول كانت في الغالب عبارة عن عملية غسيل مخ لإقناع الناس بالأيدلوجيات الرسمية. بذلك فقدت مصر فرصة التفاعل مع الحضارات الحية في العالم وأصبحت شبه معزولة.

بالرغم من القطيعة الثقافية مع الغرب في هذه الفترة استمرت الحياة الثقافية في مصر نشطة.  فاستمر الإنتاج الفني والأدبي والمسرحي والسينمائي وظهرت روائع من هذه الفنون في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. لكن الملاحظ أن من حمل هذه النهضة هم من الجيل الذي تعلم في الثلاثين عاماً التي سبقت الثورة. في الثلاثين عاما اللاحقة لم يظهر كثير من المثقفين الجدد الذين يمكن وضعهم في مستوى عمالقة النصف الأول من القرن. كل ما ظهر هم كتاب ذو مستويات متواضعة لم يستطيعوا مليء الفراغ الذي بدأ يظهر برحيل الرواد واحداً بعد الآخر. تميز كثير من هؤلاء بالضحالة الثقافية، فهم من أحادي الثقافة ولم يتسنى لهم تغذية ثقافتهم بثقافات أخرى.

لكي تظهر الكارثة كان لابد أن يمر جيل، على الأقل، بدون ظهور جيل آخر يحل محل الجيل القديم. لذلك بعد حوالي 25-30 عاما بعد الثورة وجدت مصر نفسها خالية تقريبا من المبدعين بعد أن رحل أو تقاعد معظم الجيل القديم.  بدأت بوادر هذا الخلل في السبعينيات وأصبحت واضحة للعيان في الثمانينات من القرن العشرين. لقد رحل عنا في الفترة ما بين 1950-1980 العقاد وطه حسين ويحي حقي وتوفيق الحكيم والصاوي والسباعي وأم كلثوم وعبد الحليم وفريد ألطرش وعبد الفتاح القصري و محمد فوزي وأنور وجدي وإسماعيل يس وغيرهم. ومن لم يرحل عنا تقاعد و عاش غريب ينكر ما يرى. لكن للأسف لم يحل محلهم من هم على شاكلتهم.

كان غياب الحرية والديمقراطية عامل أضافي للتدهور ولكنه لم يكن العامل الحاسم. لقد نهض الأدب والفن في دول لم تكن ديمقراطية مثل البرتغال وأسبانيا وبعض دول أمريكا الجنوبية. بل لقد وجدنا أن الأدب الروسي بلغ أوج عظمته أثناء الحكم القيصري والذي لم يكن حكماً ديمقراطياً.

إذا ظهور التدهور الثقافي في مصر في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لم يكن صدفه ولكنه كان متوقعاً، وإن لم يدرك ذلك أحد في هذا الوقت. لم يدرك كثير من الناس أن أي ثقافة تقطع علاقاتها بالحضارات ألأخرى يحكم عليها بالضمور والذبول. لم تدرك حكومة الثورة أن استمرار التفاعل مع الثقافة الغربية هو أمر حيوي لتقدم ألأمه و أن ألأمة لا يمكن أن تتقدم بالطب والهندسة فقط ولكن أيضاً بالفنون والثقافة والعلوم الإنسانية، وأن هذه العلوم مهمة مثل العلوم الطبيعية، إن لم تكن أكثر أهمية.  لم تدرك حكومة الثورة أن عدم التفاعل مع الحضارات الأخرى يؤدي إلي التوالد الذاتي و أن نتاج هذا التوالد يكون في الغالب ضعيف هزيل.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي مظاهر الضعف في ثقافتنا وكيف يمكن لها استرداد عافيتها. إجابة هذا السؤال وأسئلة أخرى هي موضوع المقال القادم.   

 

 
 


 


 


 
 

© 2004 Ibrahim Abdel-Motaleb


 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

BACK TO MAIN PAGE


 
 
 
 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY