-1-

يدعي كثير من الناس أن الحياة الثقافية في مصر قد تدهورت بشكل عام في بداية حقبة السبعينيات من القرن الماضي و أنها لم تسترد عافيتها بعد. لكي يتسنى لنا الحكم بصحة هذا الادعاء من عدمه، يجب أن نعرف أولاً كيف يحكم الإنسان على عمل ما بأنه جيد أو غير ذلك؟ ثم بعد ذلك نسأل: لماذا تدهورت الحالة الثقافية في مصر و لماذا ظهر بوادر هذا التدهور في السبعينات ولم يظهر قبل ذلك؟ بعد الإجابة على هذه الأسئلة، يكون السؤال المنطقي هو: ما هي مظاهر هذا التدهور و كيف يمكن إنعاش الحياة الثقافية في مصر مرة أخرى.

نستطيع القول بأن الإنسان يحدد إن كان العمل الأدبي جيداً أم لا عبر ميكانيكية تحكمها عدة عوامل؛ سنذكر أهمها. العامل الأول هو مقدار ما يضيفه العمل الفني إلي التراكم الثقافي عند الفرد. فبقدر الزيادة التي يضيفها العمل إلي مخزون الفرد الثقافي بقدر الإحساس بجودة العمل من عدمه.  فمثلاً حينما يقرأ فرد كتاب مثل أحد كتب العبقريات للعقاد، عبقرية عمر مثلاً، فإنه   سيجد أن الكتاب يروي قصة الخليفة عمر بن الخطاب. إن أضافت هذه القصة إلى التراكم الثقافي لهذا الفرد فسيعتبر القارئ هذا العمل عمل جيد. ، فمثلاً لو أعطى الكاتب تفاصيل عن حياة عمر لم تكن معروفة لدى القارئ من قبل، فسيشعر القارئ أن الكتاب ذاد من ثقافته ويشعر بجودته. كذلك لو أدرك الشخص أن الكتاب ليس مجرد سرد قصة ولكنه عرض لطريقة جديدة للتحليل النفسي تعتمد علي اكتشاف مفتاح شخصية الفرد واستخدام هذا المفتاح لتحليل سلوك الشخصية لشعر القارئ أن تراكمه الثقافي قد ازداد أكثر، وربما أحس أن العمل ليس فقط جيد ولكنه رائع. أما لو كان القارئ على دراية كبيرة بالقصة التي في الكتاب وعلى دراية مسبقة بفكرة مفتاح الشخصية فربما أحس أن الكتاب لم يضف الكثير إلي مخزونه الثقافي و بالطبع سيكون انطباعه على الكتاب ليس بنفس درجة انبهار القارئ الأول. لهذا السبب يقل انبهار أي قارئ بالعمل كلما قرأه مرة أخرى، لأنه في كل مرة جديدة يقرأه تكون الإضافة إلى ثقافته أقل.

ألعامل الثاني الذي يحدد جودة العمل هو مدى توافق العمل مع المنطق. توافق العمل مع المنطق يشعر الفرد بجودة العمل وجديته. أما لو كان العمل فيه مغالطات أو مبالغات كثيرة تتنافى مع العقل و لا مبرر لها،  فبالتأكيد سيشعر الإنسان بتفاهة العمل.  العامل العقلي هذا هو الذي نطلق عليه الصدق. لذلك حينما نحس بأن مشهداً في رواية ما يناقض العقل نقول أن العمل غير مقنع أو القصة غير مقنعة.  فمثلا حينما نشاهد مشهد في فيلم لشخص يقوم بضرب مئة رجل وحده بدون سقوط نقطة دم منه، نعلم أن هذا المشهد غير صادق لأنه غير عقلاني. كذلك حينما نشاهد ممثل لا يعكس حقيقة المشهد أو الشخصية التي يمثلها نقول أنه ممثل غير صادق وأن تمثيله واضح لأنه لم يقنع العقل بأنه هو نفس الشخصية التي في الرواية. الصدق مرتبط بالعقل لأن الصدق يُثبت أو يُنفى بالعقل وليس بالعاطفة.  لذلك نجد في ساحات المحاكم صدق الشاهد أو كذبه يُثبت بتمحيص الادعاءات بالأدلة العقلية.

ربما يعترض شخص ويقول إن كانت المنطقية هي من لوازم جودة العمل، فلماذا يتفاعل المُشاهد مع أعمال الخيال العلمي بالرغم من أنها أعمال غير منطقية؟ في هذه  الأعمال يمكن أن يفترض أن الميت ما زال يري ويتكلم ويتحرك، وهي أشياء غير منطقية. فلماذا نتفاعل مع هذه الأعمال إذاً بالرغم من عدم منطقيتها؟ الجواب على ذلك يكمن في أنه في هذه الأنواع من الأعمال يفترض العقل وجود قوانين أخرى تحكم الأحداث؛ لذلك نكون هذه ألأعمال منطقية على حسب هذه القوانين. العقل يمكن أن يتقبل أحداث مثل تلك إن أفترض أنها تتبع لقوانين أخرى تتفق مع طبيعتها. لذلك تجد أن عقولنا تتقبل فكرة أن الإنسان سيبعث من الموت وسينمو جسده وستعود ذاكرته وستتكلم جوارحه بالرغم من أن قوانيننا الدنيوية تعتبر هذه الأشياء خيالية. من هنا نحس أن ألأفلام التي تفترض أن ماكينة زمن أخذتنا إلى المستقبل أو الماضي غير منافية للمنطق؛ وعليه تتقبل عقولنا أحداث الفيلم بدون إنكار.

أما ألعامل الثالث الذي نحكم به على جودة الأعمال هو عامل وجداني تذوقي لا يمكن التحكم فيه. مثلا حب ممثل ما يجعلنا نتقبل أعماله بدرجة أكبر من ممثل غير محبوب. فحب أو بغض شخص ما يعتمد على تآلف أو تنافر الشخصيتين. كذلك الجمال الحسي في المناظر أو الأشكال أو الأصوات أو الموسيقى يعتمد علي ذوق الشخص. لذلك هذا العامل لا يمكن التحكم فيه وإن كانت الغالبية العظمى من الناس تستطيع أن تقدر مواهب الآخرين وتتفق على حسن أو قبح العمل.

في الأعمال التي تتكون من فن واحد تجد أن الحكم يعتمد في الغالب على عامل واحد أو أثنين. مثلاً، بالنسبة للعمل الأدبي يكون العامل المحدد لجودته هو مدى الإضافة الثقافية للعمل. أما لو كان العمل عمل موسيقي، فجودته تعتمد على جمال الأنغام وتناسقها. وإن كان العمل هو لوحة رسم، فالجودة تعتمد على مدي إدراك الوجدان أنواع الجمال التي تحتويها الصورة.  أما الأعمال السينمائية أو المسرحية فهي أعمال فنية مركبة. هذه الفنون يمكن أن تحتوي علي جانب ثقافي وآخر أدبي روائي وثالث موسيقي ورابع ديكوري وخامس غنائي. لذلك جودة العمل تعتمد على الجانب الجمالي الحسي كما تعتمد على مقدار التراكم الثقافي ومقدار المصداقية أو العقلانية في العمل.

في الحقيقة إن الأسباب السالفة الذكر كلها تندرج تحت بند واحد وهو الحسن والقبح بمفهومه العام. زيادة ثقافة الفرد هو نوع من الحسن أو الجمال الذي يدركه الجميع. لذلك العمل الذي يزيد المعرفة يُدرك بأنه عمل جيد. كذلك الإنسان جبل على الإحساس بأن كل شيء عقلاني هو حسن لأنه صادق أو حق. أما ما يخالف العقل فهو قبيح ورديء. كذلك حب شيء ما أو شخص ما هو إلا بسبب إحساس الوجدان بأن هذا الشيء حسن. لذلك الأدوار التي تجسد الحسن تكون محبوبة. فمثلاً الإنسان يكره الظلم ويدرك أن العدل هو شيء جميل وحسن، لذلك الممثل الذي يقوم بأدوار المنتقم من الشرير يكون محبوباً مثل فريد شوقي حينما كان ينتقم من الظالم. كذلك الناس تتعاطف مع المظلوم وتحب له النصر، وهذا أحد أسباب حب الناس لفاتن حمامة لأنها كانت تمثل أدوار البنت المظلومة، ففي أدوارها جمال. لو أضفنا إلي ذلك جمال الصدق في التمثيل لعلمنا لماذا كانت فاتن حمامة تلقب بسيدة الشاشة العربية. لو اعترض معترض وقال لماذا إذاً نحن نحب كثير من الممثلين الذين يقومون بأدوار الشر مثل محمود المليجي وعادل أدهم؟ نرد ونقول إن السبب في حبنا لهم هو جمال صدق التمثيل وليس حب الشخصية التي يمثلونها. من هذا المنطلق يمكن القول أن الزج بمشاهد أو مناظر أو حوار لا يخدم العمل هو شيء غير حسن لا يحبه المشاهد.

إحساس أي فئة من الناس بجودة عمل ما يعتمد على مدى إدراك هذه الفئة بمواطن الجمال في العمل. هذا الإدراك يعتمد على درجة الثقافة عند هذه الفئة. لذلك تدهور المستوى الثقافي عند الجمهور يجعلهم لا يتذوقوا ألأعمال التي على درجة كبيرة من الجودة؛ لكنهم يمكن أن يتذوقوا الأعمال الهابطة وإن كان لحين من الزمن. وهذا ما يعبر عنه في بعض الأحيان بهبوط ذوق الجمهور.

إلى اللقاء في الحلقة الثانية.

 

 


 
 
 
 

© 2004 Ibrahim Abdel-Motaleb


 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

BACK TO MAIN PAGE


 
 
 
 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY